فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 830

أولًا:حضور صلاة التراويح في جماعة مقصد شرعي وخير من صلاتها فرادى, فقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ثلاث ليال ثم ترك خشية أن تفرض كما روى ذلك البخاري (3) وتركه الصلاة معللًا بخشية أن تفرض ولكن بقي استحباب الاجتماع بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوال العلة, وبدليل السنة القولية, فقد قال صلى الله عليه وسلم ( من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) (4) , وهذا لا يتعارض مع حديث (خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) (5) فهذا إنما هو في النوافل التي لم تشرع لها الجماعة أما ما شرعت لها الجماعة فصلاتها مع الجماعة أولى كالكسوف والاستسقاء والعيدين والتراويح ,وإنما لم تبق مشروعية فعلها في جماعة في زمنه صلى الله عليه وسلم لما سبق من التعليل (خشية أن تفرض) وعلى هذا يتقرر أن صلاة التراويح في جماعة أفضل من فعلها في البيت فرادى وهو مذهب الجمهور (6) .

ثانيًا:كم عدد صلاة التراويح ؟

جاءت الأحاديث والآثار الصحيحة تدل على أن الأمر في عدد ركعات التراويح واسع فقد ذكرت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشر ركعة (7) كما ثبت انه صلى ثلاثًا عشرة ركعة (8) وقام في آخر حياته بسبع وبتسع , (9) كما جاءت روايات أخرى تدل على أن عمر رضي الله عنه قد أقر من صلاها - أي التراويح - عشرين ركعة غير الوتر .

فقد روى الإمام مالك عن يزيد بن رومان أنه قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بثلاث وعشرين ركعة (10) وذكر ابن قدامة بصيغة الجزم ، فقال: ولنا أن عمر لما جمع الناس على أبي بن كعب كان يصلي لهم عشرين ركعة ، وقد روى الحسن: أن عمر جمع الناس على أبي بن كعب فكان يصلي لهم عشرين ركعة (11) .

بل إنه ورد عن عمر رضي الله عنه أنه أمر أن تصلى التراويح عشرين ركعة.

-فقد روى ابن أبي شيبة بسنده إلى يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب أمر رجلًا يصلي بهم عشرين ركعة (12) .

فابن إسحاق هنا يثبت رواية من روى أنها - أي صلاة التروايح صليت عشرين ركعة في زمن عمر رضي الله عنه لكنه كان يرى أن ما روي في هذا الأثر أثبت بصيغة التفضيل ، وذلك لما وافقه من حديث عائشة ، وحديث عائشة الذي يعنيه هو ما رواه البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ،يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ، ثم يصلي ثلاثًا فقلت: يا رسول الله: أتنام قبل أن توتر ؟ قال: يا عائشة: إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي (13) .

وهذه الآثار لا تعارض ما رواه السائب بن يزيد في أن صلاة التراويح في عهد عمر كانت تصلى إحدى عشرة ركعة، ومرة روى أنها كانت تصلى ثلاث عشرة ركعة، فقد روى أيضًا أنها كانت تصلى ثلاثًا وعشرين ركعة .

فقد روى البيهقي بسنده عن السائب بن يزيد أنه قال: كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة ، وكانوا يقرءون بالمئين ، وكانوا يتوكئون على عصيهم في عهد عثمان من شدة القيام (14) .

هذه الروايات ظاهرها الاختلاف و يجاب عنه من ناحيتين:

1-الجمع: بأنه لا يستبعد أن يكون السائب بن يزيد قد علم أن عمر رضي الله عنه أمر أبيًا وتميمًا بأن يصليا للناس بإحدى عشرة ركعة في بادئ الأمر ، ثم إن الناس صلوا في زمن عمر بن الخطاب ثلاث عشرة ركعة فلم يعبهم عمر رضي الله عنه ، وأقرهم على ذلك ، فروى ذلك السائب بن يزيد ، ثم إن الناس بعد ذلك صلوا التراويح عشرين ركعة والوتر ، فلم يعبهم عمر بن الخطاب وأقرهم على ذلك ، لدليل علمه أو اجتهاد منه ، فروى ذلك السائب بن يزيد ، وكان معنى ذلك أن صلاة التراويح إذا صليت على صفة من تلك الصفات الثلاث ، كان ذلك جائزًا ولا لوم على أحد فعل ذلك.

وقد جمع البيهقي بين الروايات بمثل هذا الجمع، فهو يقول: كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة ، ثم كانوا يقومون بعشرين ، ويوترون بثلاث والله أعلم (15) .

وما زال المسلمون إلى يومنا هذا منهم من يصلي التراويح مع الوتر إحدى عشرة ركعة، ومنهم من يصليها ثلاث عشرة ركعة ومنهم من يصليها ثلاثًا وعشرين ركعة, لأن كل ذلك سنة.

2-الترجيح: وذلك أن الرواية المأثورة عن عمر من طريق السائب بن يزيد التي ذكر فيها أن صلاة التراويح كانت تصلى في زمن عمر رضي الله عنه ثلاثًا وعشرين ركعة ، أيدتها روايات أخرى مروية عن السائب بن رومان ويحيى بن سعيد وحسن هو عبد العزيز ، والسائب بن برقان والحسن البصري على ما ذكره ابن قدامة ، ولا شك أن كثرة الطرق من أسباب الترجيح كما هو معروف في مصطلح الحديث فيكون رواية من روى أن صلاة التراويح كانت في عهد عمر تصلى عشرين ركعة والوتر هي الراجحة ، ولعل ذلك كان آخر الأمر, يقول ابن حبيب من المالكية: رجع عمر إلى ثلاث وعشرين ركعة (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت