فانطلاقا من هذه الأسس ومن الأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية وآراء أهل العلم يكون اجتهاد العلماء ترجيحًا انتقائيًا أو إبداعيًا إنشائيًا، وإن كنت شخصيًا أميل إلى النوع الأول ولا أجسر على النوع الثاني إلا بشاهد أي بنوع من التخريج لأن النوع الأول اختيار من أقوال العلماء لمصلحة اقتضت هذا الاختيار أو لدرء مفسدة قد يؤدي إليها تطبيق القول المتروك وبصفة أكثر دقة فسيكون الاجتهاد هنا على ثلاثة أضرب: اجتهاد جديد لإحداث قول في قضية جديدة قياسا على المنصوص في الأصلين؛ الكتاب والسنة. واجتهاد في تحقيق المناط، وهو اجتهاد لا ينقطع أبدا كما يقول الشاطبي لأنه تطبيق القاعدة المتفق عليها على واقع جديد تنطبق عليه هذه القاعدة وليس كالاجتهاد الأول الذي يختص به المجتهدون بل يستوي فيه المجتهد والمقلد.
أما النوع الثالث، فهو اجتهاد ترجيحي، وهو اختيار قول قد يكون مرجوحًا في وقت من الأوقات، إما لضعف المستند ـ وليس لانعدامه ـ فيختاره العلماء لمصلحة اقتضت ذلك، وهذا ما يسمى عند المالكية جريان العمل.
ولهذا فتسليط الأنواع الثلاثة للاجتهاد يكون في ضوء العناصر الثلاثة التي تحكم الفتوى، وهي واقع الأقلية والأدلة الإجمالية والأدلة التفصيلية.
من كل ذلك، تنشأ الفتوى في جدلية وتداخل وتكامل وتفاعل ينتج منه توازن بين الدليل والواقع يضبط به الفقيه طبيعة الفتوى ويرى به الحكم من خلال مرتبة الحاجة ومرتبة الدليل ومرتبة الحكم وكذلك من خلال التعامل بين الكلي والجزئي وهو تعامل دقيق لا يجوز فيه إهمال أي منهما بل يعطى كلا منهما قدر ما يستحق من الحكم، ولذا أصل المالكية لما سموه بالقاعدة البينية وهي إعطاء قضية واحدة ذات وجهين حكمين مختلفين باعتبار وجود دليلين.
وسترى هذه الأنواع من الاجتهاد من خلال مطالعة مشهد أوضاع الأقليات فيما يتعلق بأنكحتهم ومعاملتهم المالية وعوائدهم في الأكل واللباس والتعامل مع الناس في تهاني الأفراح والتعازي في الأحزان والأتراح والانخراط في الأحزاب والترشح والانتخاب إلى آخر القائمة.
فالأقليات تواجه تحديات عنيدة على مستوى الفرد الذي يعيش وسط بيئة لها فلسفتها المادية التي لا مجال فيها للوازع الديني وعلى المستوى الأسرة التي تحاول التماسك في خضم مجتمع تفككت فيه الروابط الأسرية واستحالت فيه العلاقة الزوجية بين الزوجين والأبوية بين الأبناء والأبوين علاقة غير قائمة على أسس من القوامة الإيجابية.
أما على مستوى المجتمع المسلم الصغير الذي يساكن هذه المجتمعات فهو مبعثر لا ينتظمه ناظم ولا يجمع شتاته جامع فالتحديات تطال العقيدة التي نعني بها أن يكون المرء مسلمًا مؤمنًا بالله وملائكته وكتبه ورسله وليس بالضرورة أشعريًا ولا سلفيًا ولا معتزليًا وغير ذلك من التفسيرات التي تشوش على العامي.
ولعل العقيدة التي كتبها محمد بن أبي زيد القيرواني في صدر الرسالة والتي ترجع إلى نصوص الكتاب والسنة لا تختلف عليها طوائف أهل السنة هي أفضل شيء يتعلمه المسلمون في المهاجر لبساطتها وسلامتها من الجدل والتشويش.
كما تطال ممارسة العبادة مع ما يتطلبه من تكوين الجماعة المسلمة والمؤسسات الإسلامية من مساجد ومدارس ومراكز.
كما تطال العلاقة بالآخر وإيجاد وسائل التعايش التي تجنب المسلم الذوبان الثقافي. وكذلك تحرسه من التقوقع والعزلة ليصبح في النهاية عضوًا فعالًا في المجتمع، أسوة بنبي الله يوسف عليه السلام عندما خاطب ملك مصر بقوله ? اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم?.
كل ذلك، يحتاج إلى فقه نفس يوازن بين الدليل والواقع مع ورع لا تشوبه وسوسة وجسارة لا ينغصها تهتك ولا جرأة.
* عضو مجمع الفقه الإسلامي
ووزير العدل الموريتاني الأسبق
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى … …اطبع هذا المقال … …علق على هذا الموضوع
التعليقات
ماجد عمرو - الخليل، «الاراضى الفلسطينية» ، 01/06/2006
الضرورات تبيح المحظورات.
هاتي بياني، «المملكة العربية السعودية» ، 01/06/2006
المعروف والواضح في تاريخ فقه الأقليات أنه فقه جاء لحماية المغلوب الذي فضل دفع الجزية، لبيان حقوقه العامة والخاصة. ذلك كان في مرحلة الإمبراطوريات السابقة على الدولة القومية. وقبل هذا الفقه كان قانون الشعوب في الإمبراطورية الرومانية. نحن اليوم نعيش مرحلة جديدة هي مرحلة الدولة القومية والناس فيها باختلاف أعراقهم وطوائفهم ودياناتهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات. لا يعني أن المفهوم الجديد للدولة قضى على كل أشكال التمييز ضد الأقليات العرقية أو الطائفية أو الدينية، ولكن يعني أن سلامة إقليم الدولة وسيادتها تستدعي من علماء القانون الدستوري في العالم الإسلامي والعربي على وجه الخصوص بحث طرق ومخارج قانونية عملية تحفظ للدولة سلامتها وتحفظ للمواطن توازنا معقولا ومقبولا وعمليا بين انتماءاته العرقية والدينية والطائفية والوطنية. العالم العربي بصورة خاصة يحتاج لفقه يساير ويواكب مفهوم الدولة القومية الحديثة وليس لمجرد اجترار مصطلحات كانت نتاج ظروف تاريخية سابقة وسادت في وقتها.