قال الإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله - في (السير 2/66) :"ولو أن رهطًا من المسلمين أتوا أول مسالح أهل الحرب، فقالوا: نحن رسل الخليفة، وأخرجوا كتابًا يشبه كتاب الخليفة أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعة منهم للمشركين، فقالوا لهم: ادخلوا فدخلوا دار الحرب، فليس يحل لهم قتل أحد من أهل الحرب، ولا أخذ شيء من أموالهم ما داموا في دارهم، فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم، فيجعل ما أظهروه بمنزلة الاستئمان منهم، ولو استأمنوا فآمنوهم وجب عليهم أن يفوا لهم . فكذلك إذا أظهروا الاستئمان".إذا تقرر هذا فإنه يلزم منه ما يلي:
1-أن يلتزم المسلم بأنظمة البلد الذي دخل إليه، فإن ذلك مقتضى تأشيرة الدخول ، ولكن عليه أن يتجنب من تلك الأنظمة ما يخالف الشريعة الإسلامية ، بل لا يجوز له أن يعمل بشيء من ذلك إلا بقدر ما تبيحه الضرورة .
وينبغي للمسلم أن يتحمل - ما دام قد رضي بدخول هذا البلد بهذا العقد معهم - ما يترتب عليه من الالتزام بأنظمتهم وفق الضابط المتقدم، وإن كان في ذلك شيء من التبعة والكلفة ، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة وأبيه - رضي الله عنهما - لما عاهدا المشركين ألا يقاتلا مع النبي - صلى الله عليه وسلم:"انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم"أخرجه مسلم (1787) .
وفي قصة أبي بصير - رضي الله عنه - في قضية الحديبية، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم:"يا أبا بصير إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت ، وإنا لا نغدر ، فالحق بقومك"، فقال: أتردني إلى المشركين يفتنوني عن ديني ويعذبوني ؟ فقال:"اصبر واحتسب ، فإن الله جاعل لك فرجًا ومخرجًا"أخرجه البخاري (2731) ، وانظر (الفتح 5/411) .
2-ليس للمسلم في هذه الحال أن يتعدى على الناس في دم أو مال أو عرض، وذلك لما يلي:
أ- أن هذا من أساسيات العهد الذي أشرنا إليه، إذ هو لم يدخل إليهم إلا بعد أن أمنوه، واستوثقوا من عدم اعتدائه، فلا يجوز له الخيانة والغدر . وفي البخاري (2731) أن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - كان صحب قومًا في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أما الإسلام فقد قبلنا ، وأما المال فإنه مال غدر لا حاجة لنا فيه".
قال ابن حجر في (الفتح 5/402) :"ويستفاد منه - أي من الحديث - أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدرًا؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة، والأمانة تؤدى إلى أهلها مسلمًا كان أو كافرًا، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة".
أ . هوقال الشافعي - رحمه الله - في (الأم 4/284) :"وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان .. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئا قل أو كثر ؛ لأنه إذا كان منهم في أمان، فهم منه في مثله ، ولأنه لا يحل له في أمانهم إلا ما يحل له من أموال المسلمين وأهل الذمة". وقال السرخسي في (المبسوط 10/96) :"أكره للمسلم المستأمن إليهم في دينه أن يغدر بهم؛ لأن الغدر حرام، قال - صلى الله عليه وسلم:"لكل غادر لواء يركز عند باب استه يوم القيامة يعرف به غدرته"انظر ما رواه البخاري (3187) ، ومسلم (1737 - 1738) ، فإن غدر بهم، وأخذ أموالهم، وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك؛ لأنه حصله بكسب خبيث"، وقال ابن قدامة في (المغني 9/237) : مسألة من دخل إلى أرض العدو بأمان ، لم يخنهم ولم يعاملهم بالربا .
أما تحريم الربا في دار الحرب ، فقد ذكرناه في الربا مع أن قول الله - تعالى:"وحرم الربا" [البقرة: 275] وسائر الآيات والأخبار الدالة على تحريم الربا عامة ، تتناول في كل زمان ومكان .
وأما خيانتهم فمحرمة؛ لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطًا بتركه خيانتهم، وأمنه إياهم من نفسه، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ، فهو معلوم في المعنى، ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضًا لعهده، فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم؛ لأنه غدر، ولا يصلح في ديننا الغدر، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"المسلمون علىشروطهم"أخرجه أبو داود (3594) ، والترمذي (2731) فإن خانهم، أو سرق منهم ، أو اقترض شيئًا وجب عليه رد ما أخذ إلى أربابه ، فإن جاء أربابه إلى دار الإسلام بأمان ، أو إيمان رده عليهم ، وإلا بعث به إليهم؛ لأنه أخذه على وجه حرم عليه أخذه ، فلزمه رد ما أخذ ، كما لو أخذه من مال مسلم .
ب.هجاء في الصحيحين من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذًا إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب، وأوصاه بدعوتهم، ثم قال:"واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب"أخرجه البخاري (1395) ، ومسلم (19) ، فلا يجوز الظلم بحال ولو كان للكفار .
جـ . أن الرسول -صلى الله عليه وسلم - بقي في مكة ثلاث عشرة سنة، ومعه المسلمون، فلم يأذن لأحد منهم في نهب مال ، أو سفك دم، أوهتك عرض، ثم هاجر - صلى الله عليه وسلم -، وبقي مسلمون مستضعفون، أو مستخفون بمكة، فلم يأذن لأحد منهم بذلك .