فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 830

وظلت هذه الأقليات تبحث عن حلول دينية لأمورها الحياتية ومنذ تلك الفترة أخذ ينمو هذا الفقه وإن كان بشكل بطيء والاجتهاد كان ولايزال أحد ركائز نهضة الأمة وعن طريقه نستطيع أن نظهر للعالم الغربي أن ديننا وتقاليده لا يمثل أي عائق أو حائل أمام اندماج المسلمين في المجتمعات الغربية , حيث تردد أصوات عالية هناك بأن الإسلام يمثل حائلا أمام اندماج الأقليات داخل مجتمعاتها وبعد أحداث سبتمبر نجحت الآلة الإعلامية الجبارة في تحويل المسلمين إلي مشكلة للمجتمعات الغربية تتراوح بين العبء والخطر .

عبد الصبور شاهين

وهو ما يبرز أهمية بلورة فقه الأقليات كضرورة حياتية ملحة حتي تظهر للغرب صورة الإسلام السمحة ويرفض هويدي تمسك بعض من الفقهاء بمقولة صلاحية الفقه الإسلامي القديم لكل زمان ومكان دونما أي محاولة للبحث في معاناة الأقليات ومشاكلهم ويتأسف لأن حلول الأقليات جاءت من الداخل ولم يقدم لها العالم الإسلامي الدعم الكافي وظل فقهاؤنا واضعين أيديهم في المياه الباردة دونما تكليف أنفسهم عبء التفكير في أمر هذه الأقليات .

أما الدكتور رأفت عثمان ـ أستاذ الفقه جامعة الأزهر ـ فيوضح أن الأقليات الإسلامية منذ أمد طويل تحتاج إلي بيان الأحكام الشرعية لقضاياها والتي تختلف عن قضايانا في العالم الإسلامي .

ويذكر أنه حضر أحد المؤتمرات في ولاية ميتشجان في أمريكا في العام 2000 بحضور كثير من علماء الفقه الذين فوجئوا بقضايا خطيرة وجديدة , مثل حكم الشرع في العلاقة الزوجية إذا أسلمت الزوجة الأوروبية والعمل في نوادي القمار والتعامل المالي مع البنوك فكلها قضايا تحتاج إلي نقاش أقرب إلي الحوار العالمي للوصول إلي حلول فقهية صحيحة , وإذا علمنا أن العالم يموج بقضايا جديدة كل يوم في كل النواحي لازداد الأمر تعقيدا , وتقع هنا مسئولية كبيرة علي عاتق علماء الفقه ليقوموا بدورهم .

ويوضح د . رأفت عثمان , بأن فقه الأقليات تواجهه تحديات كبيرة , فالدول الإسلامية الكبري مثل السعودية وإيران في مساعدتها للأقليات في الغرب تفرض علي هذه الأقليات اتباع نفس منهجها الفقهي .

ويوضح الدكتور عبدالصبور شاهين ـ الأمين السابق للمجلس الأعلي للشئون الإسلامية ـ أن أولي قواعد الفقه التطور والتجدد التلقائي مع تجدد الأحداث , وقد أباحت الثوابت في الفقه الإسلامي ذلك وطالبت به , فلكل حادثة حديث , عبر كل زمان ومكان فديننا هو صاحب الرسالة الخاتمة العالمية ويحمل بداخله المرونة التي تجعله قادرا علي التكيف مع المتغيرات التي تحدث في العالم , وفي ظل الظروف الحالية التي اجتاحت العالم الإسلامي سواء في الاقتصاد أو الاجتماع تصبح الحاجة ماسة إلي فقه الأقليات والذي ينبغي أن يكون من أولي القضايا التي تستحوذ علي اهتمام علماء الأمة حيث يبحث هذا الفقه في شئون 350 مليون مسلم , يمكن أن يصبحوا المرآة التي تعكس صورة الإسلام في الغرب , كما أنهم دعاة دائمون لدين الله عز وجل , ويتساءل د . شاهين كيف يشغل علماء الأمة أنفسهم بقضايا النوافل أو المندوبات كاللحية أو الجلباب القصير ويتركون قضايا كبري مثل التخلف العلمي والعجز الاجتماعي أمام أقلياتنا حتي المسلمة وحيدة في العراء !

ويؤكد المفكر الإسلامي الكبير , د . محمد عمارة , أن الاهتمام بموضوع الأقليات الإسلامية ينبغي أن يشغل العقل العربي والإسلامي فكما اهتم الإسلام بشئون الأقليات غير الإسلامية في بلاد المسلمين , اهتم أيضا بشئون الأقليات الإسلامية في البلاد التي يقطنها أغلبية غير إسلامية , ولكن قبل أن يستغرقنا الحديث عن ضرورة فقه جديد للأقليات ينبغي كنقطة نظام أن نتحدث أولا عن شكل العلاقة المبتغاة بين هذه الأقليات والدول التي تتبعها .

القرضاوى

فالأقليات غير المسلمة مطالبة باحترام القانون الوضعي لكل دولة بشرط أن يراعي هذا القانون حريتها في الاعتقاد الإسلامي وإقامة الفرائض الإسلامية , ومراعاة الحلال والحرام الديني في أحوالها الشخصية وحياتها الأسرية , وعدم التجريح لمقدساتها , وكذلك فإنه من غير المتصور أن تفرض الأقلية الدينية علي الأغلبية منهاجها ومذهبها في الدولة , كأن يسعي المسلمون في فرنسا مثلا بملايينهم الخمسة إلي فرض شريعة الدولة الإسلامية علي الأغلبية التي تتكون من 150 مليون نسمة من الفرنسيين لأن هوية الدولة بالمنطق الديمقراطي هي خيار الأغلبية .

ويؤكد د . عمارة أن تلك المعايير المنصفة والعادلة في علاقات الأقليات بالأغلبيات داخل المجتمعات كافة في حاجة إلي أن يدور حولها ما يمكن تسميته بـ حوار الحكماء لتكون شريعة عامة تخرج هذه القضية الحساسة من نطاق الأهواء الشخصية إلي الأطر المتفق عليها سلفا , لأنه إذا كان الله عز وجل هو الذي أراد للخلق أن يظلوا مختلفين في الشرائع والملل والديانات والمناهج فإن هذا يفرض علي الأغلبية الدينية ألا تنتقص من حرية الاعتقاد الديني لدي أقلية وهذا ما نسميه الحق الإلهي المقدس للأقليات في حرية الاعتقاد الديني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت