أما الفضاء العام فهو ينتمي لكل شخص، لذلك فإنه لا يعود لشخص محدد. ويجب التوثق من أن الجميع يستطيعون أن يعلنوا عن وجود حصة من هذا الفضاء العام لهم، ويستطيعون استعمال مرافقه من أجل طرح أفكارهم واهتماماتهم التجارية ومشاريعهم السياسية، لكن لا أحد مسموح له كي يفرض قرارا بالقوة أو يقصي شخصا آخر.
كل ذلك يبدو غريبا ومثيرا للنفور لأغلبية المسلمين الذين استقروا في فرنسا خلال العقود الأخيرة، والسبب هو أنهم لم يتعلموا التمييز ما بين الفضاء الخاص الذي يستطيع الفرد أو الجالية أن تستثمره بأقصى ما تريد، طالما أنها لا تتجاوز حقوق الآخرين، والفضاء العام. ففكرة أن الدين هو قضية شخصية أمر منفر للكثير من المسلمين، فهدف الإسلام هو أن يسيّر كل جانب في حياة الفرد والجماعة ابتداء من الأمور الصغيرة إلى أكثرها قداسة.
وعلى ذلك الأساس حاولت منظمات اسلامية عدة أن تنثر بذور الغضب في الجالية الاسلامية الفرنسية لسنوات، وتعتبر العناصر المتطرفة فرنسا جزءا من «دار الحرب» لأن السلطة السياسية بيد «الكفار» . وتفضل العناصر المعتدلة تعبير «دار الصلح» ، مشيرة ضمنا الى أرض متنازع عليها. وما يزال آخرون يستخدمون تعبير «دار الدعوة» ، وهو ما يعني أن السبب الرئيسي لوجود المسلمين هناك هو تحويل الأمة الفرنسية الى الاسلام.
وتعتمد كل المفاهيم الثلاثة على فرضية أنه من المستحيل على مسلم أن يعيش في مجتمع يطبق فيه قانون علماني بدل الشريعة، ولا يمكن للمسلم ان يعتبر نفسه فرنسيا ما لم تصبح فرنسا دولة اسلامية، وهذا هو سبب عدم استخدام المنظمات التي تدعي تمثيل المسلمين صفة «فرنسي» . وبدلا من ذلك يصفون أنفسهم باعتبارهم جمعية المسلمين في فرنسا أو مجلس مسلمي فرنسا، فأنت مسلم قدر لك تعيش في فرنسا ولكنك لست فرنسيا قدر له أن يكون مسلما.
ومن الطبيعي ان مثل هذه المقاربة يمكن أن تؤدي، في أحسن الأحوال، الى شكل من أشكال التمييز العنصري القائم على الدين، أو الى صراع ديني في أسوأ الأحوال.
وعندما قرر نيكولاس ساركوزي، وزير الداخلية الفرنسي المتغطرس، أن «يحل المشكلة الاسلامية» قبل سنوات قليلة لم يكن يعرف شيئا عن الاسلام. وقد دفع بخطة بائسة أسس بموجبها ما سمي بمجلس عبادة مسلمي فرنسا تحت رعاية وزارة الداخلية وبتمويل حكومي. وقد جرت ممارسة انتخابية شارك فيها اقل من واحد في المائة من المسلمين المؤهلين للاقتراع، غير أنه خلال السنوات القليلة الماضية بات واضحا ان دور المجلس الرئيسي دور بروتوكولي.
وخلال الاضطرابات الحالية في الضواحي حيث أن المسلمين يشكلون أغلبية، لم يكن المجلس قادرا على اقامة حوار مع مرتكبي أعمال الشغب، ناهيك عن أن يصبح منسقا بينهم وبين السلطات.
والأسوأ من ذلك ان المجلس غذى الوهم باحتمال دمج المدارس الاسلامية المتعددة في مؤسسة واحدة في إطار بنية على غرار النظام الكنسي تدعمها الدولة، إلا ان هذا المشروع ربما تسبب في إلحاق إضرار ليس فقط بالمسلمين، وإنما بالدولة الفرنسية القائمة اصلا على الفصل الواضح بين الفضائين العام والخاص.
من الممكن تطوير نموذج للاسلام يكون مقبولا بالنسبة للمدارس الاسلامية الموجودة داخل فرنسا، ولكن حتى اذا جرى تطوير هذا النموذج فإن مسلمين كثيرين سيرفضونه، ما يجبر الدولة على استخدام اجراءات قسرية لفرض إجماع على هذه القضية.
فرنسا والديمقراطيات الغربية الاخرى، التي اصبحت مستقرا لملايين المسلمين، ولدوا في هذه الدول، وقد قدمت للاسلام فرصة لم يحظ بها منذ اول حرب اهلية في الاسلام خلال خلافة الإمام علي، وتتضمن هذه الفرصة إمكانية تطوير المسلمين منهجا خاصا بدينهم وممارسة شعائرهم بحرية، ووفقا لمعتقداتهم من دون خوف او نفاق.
فرنسا والديمقراطيات الغربية الاخرى تعتبر المكان الوحيد الذي تنشر فيه كل المذاهب الاسلامية افكارها ولديها أماكن العبادة ومعاهد ومدارس دينية خاصة من دون قيود، اما في غالبية الدول المسلمة، فإن المذهب الأكثر هيمنة يحظر بقية المذاهب، فايران، على سبيل المثال، تستخدم اسم الجمهورية الاسلامية لكنها لا تسمح بتشييد مسجد سني واحد في طهران التي يعيش فيها نحو 1.5 مليون مسلم سني. فرنسا والديمقراطيات الغربية تعتبر المكان الوحيد الذي لا يحظر فيه نشاط كاتب مسلم بسبب وصفه بالهرطقة او «الخروج» على الدين.
سر نجاح الغرب في إعادة صياغة العالم يكمن في حرية الفكر والتعبير التي طورها الغرب ورعاها منذ نهاية محاكم التفتيش، اي عندما ادرك الغرب ان استغلال الدين لأغراض سياسية لا يفضي سوى الى الاستبداد والارهاب.