فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 830

وقد اهتم الفقه الإسلامي المعاصر بوضع الأقليات الإسلامية في أوربا منذ بعض الزمن، واتجه إليه بالمعالجة الشرعية التي أثمرت فقها من الفتاوى والأحكام ظلت تثري الحياة يوما بعد يوم، وتوج ذلك الاهتمام بنشوء مجمع علمي خاص بهذا الشأن هو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، ولكن هذا الاهتمام المتزايد بشأن الوجود الإسلامي بأوربا، وما أثمره من ثمار، وما تراكم به من فقه، ظل يفتقر إلى الحلقة الأساسية من حلقات النظر الفقهي التي من شأنها أن توجه الاجتهاد وترشده في معالجة شأن هذا الوجود ليبلغ مداه المأمول، ألا وهي حلقة التأصيل الفقهي متمثلا في تقعيد أصولي فقهي لفقه الأقليات مختص به، ومبني على مراعاة خصوصية الوضع الذي يعيشه المسلمون بالبلاد الأوربية من جهاته المختلفة.

ولا يظن ظان أن هذا التأصيل الفقهي لفقه الأقليات سيكون بدعا مستأنفا مقطوع الصلة بالمنهج العام لأصول الفقه الذي يوجه النظر الفقهي، وإنما هو ليس إلا فرعا من فروع ذلك المنهج أو قسما من أقسامه وبابا من أبوابه يشترك مع ذلك المنهج العام فيما هو مشترك بين حياة المسلمين مطلقا عن الظروف والأحوال، ولكن توجه فيه عناية النظر التأصيلي إلى خصوصية وضع الأقليات المسلمة بأوربا من حيث واقعه الخاضع فيه لسلطان القانون الوضعي، ومن حيث ما ينطوي عليه من أبعاد دعوية وآمال مستقبلية، تلافيا في ذلك لنقص في مدونة أصول الفقه شرحنا أسبابه آنفا، ولينتج منه فقه للأقليات المسلمة يتجاوز الفتاوى الظرفية والأحكام الجزئية التي تعالج وجودا إسلاميا ظرفيا عارضا في مقاطع متفاصلة، ليكون فقها يستجيب لآمال الدعوة في تلك البلاد تحقيقا للتعارف الحضاري نفعا وانتفاعا بما لم يتحقق من قبل على الوجه المأمول.

ولا يكون هذا التأصيل الفقهي لفقه الأقليات موفيا بالغرض المبتغى منه إلا بأن يبنى في منهجه على أصول ومبادئ موجهة، تقوم عليها أركانه وتتأسس قواعده، ويتوجه بها منهجه وتنطبع بها صبغته العامة، وبأن يشتمل في محتواه على قواعد وقوانين اجتهادية تستنبط وفقها الأحكام ويتوجه بوجهتها الفقه التفصيلي، ويكون كل من تلك الأصول الموجهات وذلك المحتوى من القواعد والقوانين، مأخوذا بنظر خاص يستجيب به لخصوصية الوجود الإسلامي بأوربا، وذلك في نطاق نظر عام مستجيب للمقتضيات الشرعية للوجود الإسلامي المطلق عن الزمان والمكان.

ب ـ المبادئ الموجهة لتأصيل فقه الأقليات:

هي مبادئ أصول من المقاصد العامة للدين مصاغة باعتبارات وضع الأقليات المسلمة بحسب ما يقتضيه ذلك الوضع من مقتضيات تتحقق بها مقاصد الدين فيه، وهو ما تكون به أصولا ذات طابع كلي شمولي تهدف إلى أن تنتج فقها لا يجعل من المعالجات الشرعية الجزئية لآحاد المشاكل ونوازل الأفراد هدفا نهائيا له، وإنما يجعلها طريقا لهدف أعلى منها، وهو هدف نشر الدعوة الدينية في الربوع الأوربية لينبسط بها الدين الحنيف فيها فينقذ المسلمين فيها من الضياع، ويشهد على غير المسلمين بالتبليغ، فهي إذن ليست مجرد أصول فنية تفضي إلى قواعد للاستنباط الصحيح للأحكام والفتاوى في شؤون الأقليات المسلمة من مداركها الشرعية، وإنما هي أصول تنطوي بالإضافة إلى ذلك على بعد دعوي تبليغي تحتل فيه مقاصد الدين العامة ومغازيه الكلية الموقع المرموق. ولعل من أهم تلك الأصول التي تتأسس عليها هذه المعاني ما يلي:

أولا ـ حفظ الحياة الدينية للأقلية المسلمة:

وذلك لتكون هذه الحياة -في بعدها الفردي والجماعي- حياة إسلامية في معناها العقدي الثقافي، وفي مبناها السلوكي والأخلاقي، انتهاجا في ذلك منهج المواجهة لما تتعرض له هذه الحياة من غواية شديدة من قِبل الحضارة الغربية في بنائها الفلسفي والثقافي والسلوكي، والمواجهة أيضا لمغلوبية حضارية متمكنة في شعور تلك الأقلية من شأنها أن تبسط لتلك الغواية منافذ واسعة للتأثير الذي يعصف بالتدين في النفوس والأذهان كما في الأخلاق والأعمال، فيكون إذن من الموجهات الأساسية في التأصيل الفقهي لفقه الأقليات أن يبنى هذا التأصيل على مقصد حفظ الدين في خصوص الأقليات المسلمة بأوربا؛ وذلك حتى تحافظ على وجودها الديني الفردي والجماعي وجودا قويا صامدا في ذاته، وناميا مؤثرا في غيره.

وإذا كان هذا الموجه المقصدي للتأصيل لفقه الأقليات يعتبر موجها لعموم التأصيل الفقهي، ما تعلق منه بفقه الأقليات وما تعلق بغيره، إلا أنه في توجيهه لتأصيل فقه الأقليات يكون مستصحبا لمقتضيات ما يكون به حفظ الوجود الديني للأقليات المسلمة بناء على خصوصية الظروف التي تعيشها والتحديات التي تواجهها، وهي مقتضيات قد تختلف في كثير أو قليل عن مقتضيات حفظ الدين في الوجود الإسلامي الذي يكون فيه المسلمون يملكون أمر أنفسهم في تطبيق سلطان الدين على حياتهم، إذ الظروف غير الظروف والتحديات غير التحديات، فتكون إذن مقتضيات الحفظ غير المقتضيات، وهو ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في هذا الأصل الموجه لتأصيل فقه الأقليات.

ثانيا ـ مراعاة خصوصية أوضاع الأقليات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت