فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 830

ويحذر القرآن الكريم من الانخداع بالغثاء والكثرة القائمة على غير الحق والعدل، التي يمكن أن تشكل عبئًا يسوده مناخ القطيع، الذي يحرك الإنسان دون دراية وإرادة، فيقول: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) (الأنعام: 116) ، والضلال يعني الضياع، وعدمية الحياة، وغياب المقاصد، والانسلاك في القطيع دون فحص واختبار ومعرفة للوجهة.. والرسول صلى الله عليه و سلم حذّر من الوَهْن الذي يصيب الأمة المسلمة، بسبب من الحالة الغثائية، المؤدية بها إلى مرحلة القصعة، التي تسود مراحل النكوص والتخلف، فيتحول الناس إلى مستهلكين بدل أن يكونوا منتجين، فيقول: (يُوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها) ، فقال قائل: ومن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: (بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللهُ من صدورِ عدوكم المهابةَ لكم، وليقذفنَّ في قلوبكم الوَهْن) فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهْن؟ قال: (حُبُّ الدنيا وكراهية الموت) (رواه أبو داود عن ثوبان) .

والشاعر العربي حاول معالجة الانخداع بالكثرة التي لا عطاء لها ولا فاعلية، كما حاول تصويب المعيار عندما قال:

تعيّرنا أنّا قليلٌ عديدُنا فقلت لها: إن الكرام قليل

وما ضرّنا أنّا قليلٌ وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل

فالمعيار يبقى دائمًا هو الكرامة، المتولدة عن التقوى، والعطاء والفاعلية، وليس عدد الرؤوس، أو مساحة القطيع المتحرك بلا رؤوس، أو ذي الرأس الواحد.

ولعلي ألمح من قوله تعالى: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (البقرة: 249 ) ، عدم الاقتصار في الغلبة على المعركة العسكرية، ذلك أن ميدان الغلبة والظهور والصراع والحوار الحضاري، الحياة بكل أصعدتها، العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتنموية، وإن كان سبب نزول النص معركة طالوت مع جالوت التي قصّها الله علينا، لتحقيق العبرة من تاريخ النبوة، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقرر علماؤنا في أصول الفقه والنظر والاجتهاد. حيث لا عبرة إذا لم نستطع تجريد النص من ظرف الزمان والمكان والمناسبة، وتوليده في المجالات المشابهة.

وكذلك نرى الحقيقة تستمر تاريخيًا، فالذي يدرس واقع المسلمين قبيل بدر، وواقع المشركين، من زواياه المتعددة، يدرك أن كل مؤهلات الغلبة العسكرية والحضارية كانت إلى جانب المسلمين، الفئة القليلة، بمؤهلاتهم وطبيعتهم النوعية وعقيدتهم المميزة، لذلك نستطيع أن نقول: إن الغلبة الحضارية والظهور الثقافي، أو إظهار الإسلام على الدين كله، لا يمكن أن تحدده القلة والكثرة، وإنما تحدده المؤهلات والخصائص والنوعية.

وقد يكون من المفيد أن نذكّر بهذه المناسبة، بالنص القرآني الحاسم لهذه القضية في سورة التوبة -وهي من أواخر ما نزل- الذي نزل بمناسبة التحضير لغزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، التي سميت بغزوة العسرة، وسمي جيشها بجيش العسرة، وكان في أشد الظروف الطبيعية قسوة، عندما تخاذل الكم الهائل عن الذهاب، وبدأت صناعة فلسفات الهزيمة تستميل النفوس الضعيفة، وتحركت الفئة القليلة لممارسة الإنجاز الكبير، عندها قال الرسول صلى الله عليه و سلم في مجال التبرع والعطاء: (سبق درهمٌ مائةَ ألف درهم) ، قالوا: يا رسول الله! وكيف؟ قال: (رجل له درهمان فأخذ أحدَهما فتصدّق به، ورجل له مالٌ كثيرٌ فأخذ من عُرْضِ ماله مائة ألف فتصدّقَ به) (رواه النسائي، عن أبي هريرة) ، فالأمر لا يُعَايَر بالقلة والكثرة.

نعود للنص القرآني المجرد عن حدود الزمان والمكان، لننظر له من زاوية أخرى.. هذا النص الذي يتلوه المسلم، ويتعبد به صباح مساء، والذي نزل لمعالجة حالة التخاذل وتصويب المعيار، وتقرير الحقيقة التاريخية التي ما تزال تعيش في عقول المسلمين ووجدانهم، قال تعالى: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40) .

لقد تحقق النصر الكبير في طريق الهجرة، كما هو معلوم ومعروف للجميع، بواحد أولًا وبثاني اثنين، وكان ما نعلم جميعًا من إقامة الدولة المسلمة النواة، قبل أن تكون هذه الجموع المتخاذلة عن الذهاب إلى تبوك، فلم تكن القلة تعني الهزيمة، ولا الكثرة تعني النصر.. وهذه الوقائع التاريخية من تجارب النبوة، ما تزال ماثلة للعيون، فإذا أضفنا إلى ذلك اليوم أن الإبداعات التكنولوجية، التي جاءت ثمرة للعقول القليلة، قد ألغت قيمة الكثرة في المجالات الحياتية المتعددة، الاقتصادية والعسكرية والسياسية والتنموية والاجتماعية، نتأكد أن القضايا الحضارية لا تحكمها موازين القلة والكثرة.

وحسبنا في هذا الموضوع دليلًا من واقع عدونا، بعد أن نسينا تاريخنا، ودخلنا مرحلة (القَصْعَة) ، وحالة (الغُثَاء) ، و (الوَهْن) الحضاري، التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم، كما ذكرنا آنفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت