فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 830

ثم عرج بعد ذلك على ما ينبغي أن يكون عليه الفهم الصحيح لمصطلح الأقليات، وأن المقصود به ليس القلة العددية، بقدر ما يعبَّر به عن ضياع الحقوق السياسية والمدنية لأناس بأعينهم.

كما أوضح أنه بهذا المفهوم يغدو كثير من المسلمين أقلية مستضعفة في بلادهم رغم كونهم كثرة عددية، وضرب أمثلة على ذلك من بلاد متفرقة.

ثم بيّن بعد ذلك أن للاستضعاف فقها لا بد أن يختلف عن فقه التمكين، وقد اتضحت أحكام كل من النوعين على حدة في العهدين المكي والمدني، وذكر -تأييدًا لذلك- مثلَين يعبران عن مظاهر التطبيق لكل منهما، هما مقتل سمية رضي الله عنها في مكة وطعنها في موطن عفتها، والمرأة المسلمة التي كُشفت عورتها في سوق بني قينقاع، ورد فعل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في كلا الحادثتين.

فقه له أولوياته وضوابطه

ثم بدأ الدكتور صلاح سلطان في تحديد الأولويات التي يجب أن يتناولها فقه الأقليات ويجعلها من صلب اهتمامه، فذكر أن أولى تلك الأولويات وأهمها الدعوة إلى التوطين في تلك البلاد، وناقش الأزمات التي يحدثها تعميم الفتاوى التي ترى حرمة الإقامة والتوطين في تلك البلاد.

وقرر أنه يرى أن إقامة بعض المسلمين في الغرب تعد واجبًا عينيًّا على الأمة، وعرض أسباب ذلك وأدلته وناقش المخالفين.

ثم تحدث عن بعض الآفات التي أصابت فهم المسلمين في الغرب، وذكر بعض مظاهرها.

كما حدد باختصار بعض أدوار ومسئوليات المسلمين في الغرب.

ثم قام ببيان الضوابط المنهجية التي يجب أن يتبعها مَن يتعرض لفقه الأقليات ويفتي لهم، وكذلك لمن يطلبون الفتوى، وأهمها الصدق مع الله ومع النفس، وتجنب الاضطرار الكاذب، ومراعاة القضايا التي تعم بها البلوى، واعتماد الاجتهاد الإصلاحي لا التسويغي.

وفي هذا الصدد أشاد بورع المجلس الأوربي للإفتاء، وتنزهه عن التسرع في إصدار الفتاوى، وحرصه على التمحيص والدراسة قبل إصدار فتاواه.

إلا أنه تأسف على أننا قد ابتلينا -سواء في بلادنا أم في بلاد الغرب- بنوعين من العلماء والمفتين: نوع يفتي بغير علم لافتقاده الحُجَّة الشرعية، ونوع يفتي بالهوى لافتقاده الخشية القلبية.

وأكد على أن استنهاض الأمة الآن لن يتم إلا بالتقاء السلطة السياسية بالسلطة الشرعية، كما تم تاريخيًّا قبيل انتصار المسلمين على التتار.

فقه إصلاحي لا تسويغي

وعبّر الدكتور صلاح عن كراهيته ورفضه للفتاوى التسويغية، مؤكدًا احتياجنا لاجتهاد إصلاحي لا تسويغي يقدم المبررات والرخص غير المعتبرة.

وفي هذا الصدد أبرز أهمية فقه الواقع والعلم به في تدعيم عناصر القوة للمسلمين في الغرب ومواجهة عناصر الضعف.

وقد أكد على أن التهديدات الداخلية التي تمثلها الآفات المستشرية في المسلمين في الغرب أقوى بكثير مما يتهددهم من الحكومات الغربية.

وشدد على أن فقه الأقليات ليس مرادفًا لفقه الترخص، وإنما هو يراعي كلاًّ من فقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه الموازنات وفقه الأولويات، بالإضافة إلى فقه المآلات.

وبيَّن أن أخطر ما يحدث للمسلمين في الغرب -من وجهة نظره- عدم وجود مؤسسات تأهيلية للدعاة الموفَدين تبصرهم بقضايا المجتمع الذي يوفَدون إليه وتحدياته وفقه الواقع المعيش.

وأكد أن فقه التيسير لا يعني فقه الترخص والابتذال، ولا يعني التنازل عن الثوابت التي وضعها الإسلام، وتعارفت عليها الأمة.

وأوضح أن هناك فرقًا بين المجاهدة والتنطع، يجب أن ينتبه إليه المسلم في علاقته بالله عز وجل والمجتمع من حوله.

المؤسسات وصناعة المستقبل

وأوضح الدكتور صلاح أن المسلمين في الغرب قطعوا شوطًا في بناء المؤسسات، ولكنهم ما زالوا يحتاجون إلى بناء الرجال، وأن هذا يجب أن يوضع ضمن أولويات المرحلة القادمة.

وحدد الأولوية الثانية التي يجب أن يراعيها فقه الأقليات، وهي إحياء الوقف الإسلامي في الغرب، فإهماله يعرض الأقليات المسلمة في الغرب لخطر كبير، مبرزًا ما يقوم به أصحاب الديانات الأخرى في الغرب من جهود في هذا الصدد بما يخدم مصالحهم.

أما الأولوية الثالثة لفقه الأقليات -حسبما يرى- فهي إنشاء المؤسسات الإعلامية والاقتصادية، التي هي -من وجهة نظره- أولى من المساجد؛ لأن المسلمين في أي مكان لن يعدموا مكانًا يصلون فيه.

ومن الأولويات أيضًا التي رتبها الدكتور صلاح للمسلمين في الغرب أن يتبنى أبناء البلد أنفسهم صناعة الدعاة المتمرسين المتميزين بالحجة الشرعية والخشية القلبية، والصبر على تربيتهم وإعدادهم.

وآخر أولوية ذكرها هي بناء المؤسسات التعليمية، وإنشاء المناهج، وإعداد المعلمين للخروج من أسر المؤسسات التعليمية الغربية التي تبث قيمًا فاسدة، لا تساعد -بل تهدم- في البناء التربوي للمسلمين هناك.

فالغرب -بحسب الدكتور صلاح- يتبنى مع المسلم إحدى سياستين: إما أن يقتَل أو يُفتَن، وضرب أمثلة لذلك وبين مظاهره، مبينًا كيفية المواجهة.

واختتم حديثه بذكر أسماء بعض المؤلفات والدراسات العالمية التي تناولت فقه الأقليات في مختلف البلدان.

وبشر الحاضرين بعزمه على إنشاء مركز لفقه الأقليات المسلمة.

تساؤلات وتعقيبات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت