فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 830

إن البعد الديني في الحياة السياسية الفليبينية السلمية والعسكرية واضح، بل حتى في الحياة الفنية تدخلت الكنيسة لتمنع عرض فيلم سينمائي فاضح في منتصف شهر مارس الماضي (2001) ، واستجابت جلوريا للأساقفة، كما أن قسما من أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في الجنوب أيدوا خيار الحرب على المسلمين مع وجود آخرين أيدوا خيار السلام؛ وفي الحالتين يعمل الفريقان على"تنصير"المسلمين!

وقد شددت جلوريا على أنها لا تعمل على الوصول إلى ما سمي بـ"حل سياسي جذري"وأنه لا تنازل عن وحدة الفليبين، ولا تفاوض على خيار الانفصال عن الجنوب الذي لن تتجرأ جلوريا على أن تتحدث عن التنازل عنه: فما هو إذن هدف المفاوضات إن لم تصل إلى حل سياسي جذري؟!

الخطاب الرسمي الفليبيني في الأسبوعين الماضيين اعتمد بشكل رئيسي على دغدغة ومغازلة المسلمين وإشاعة جو إعلامي في العالم الإسلامي يوحي بأن مأساة المسلمين ستنتهي بالفعل؛ فمثلا صرحت الرئيسة في يوم 1/4/2001 بأن لديها"انطباعا"بأن الجبهة الإسلامية قد تنازلت وهجرت هدفها الساعي لتأسيس دولة إسلامية، بل وقالت:"لقد كان الأسلوب الذي تحدث مسئولو الجبهة به إلينا في كوالالمبور يعطي انطباعا بأنهم مستعدون للحديث ضمن السيادة الإقليمية للدولة الفليبينية".

وقد بدأت أحاديث الأوساط الحكومية والإعلامية في مانيلا تصفق لما يقال عن ثني الجبهة الإسلامية عن هدفها لتأسيس دولة إسلامية مستقلة؛ وهي القضية التي عثّرت المفاوضات- التي تكررت ولفترات قصيرة جدا- بين الجبهة والحكومة.. وتضع الحكومة أمام عينيها هدف خفض طموحات وأهداف الجبهة الإسلامية لتقبل بحل سلمي في ظل حكم ذاتي مليء بالوعود، كما حصل مع ميسواري.

التنمية بدلا من الدولة المستقلة

وقد نقل مصدر مطلع في المفاوضات، التي حصلت في كوالالمبور، للصحفيين الفليبينيين أن دولا إسلامية نفطية- وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- قد وعدت بتمويل مشاريع التنمية في الأقاليم المسلمة بتكلفة 100 مليون دولار لتقوية مساعي السلام. ويأتي هذا المبلغ كجزء من ميزانية تنموية من 36 دولة مسلمة لتعزيز السلام وإنهاء الحرب بين المسلمين والحكومة؛ مما يعني- حسب تحليل الفليبينيين أنفسهم- أن أكثر ما يمكن أن يُعرض على الجبهة الإسلامية سيكون الحكم الذاتي الموسع، ولا حديث عن دولة إسلامية مستقلة.

وكشف الحاكم"باكس"- وهو أول مسلم يحكم كوتباتو منذ تشكيل دولة الفليبين- عن صفقة مالية أخرى بين الحكومتين الفليبينية والماليزية، تقوم الثانية بموجبها ببناء سكة حديد"مينداناو"التي ستقوي من نفوذ حكومة مانيلا بكلفة 3.7 مليارات دولار، كما تعهدت الحكومة الكويتية بتمويل تعبيد الطريق السريع بين مناطق"أوسولان"-"كولمان"-"ليباك"بكلفة 1.8 مليار بيسو.. وكانت منظمة الدول المصدرة للنفط"أوبك"قد تكفلت بتعبيد طريق"كوتباتو"-"الجنرال سانتوس"السريع في عام 1975.

خلاف حدودي

الإعلام الفليبيني- بل حتى بعض المسؤولين الفليبينيين أحيانا- يتهمون الحكومة الماليزية بدعم ما تسميهم بـ"الانفصاليين المسلمين"؛ وهو ما أنكرته ماليزيا بشدة، حتى جلوريا قالت- بعد أن شكرت د.محاذير على وساطته-:"إن ماليزيا كانت"سابقا"معبرا للسلاح بالنسبة للجبهة الإسلامية"، وقد كشفت جلوريا عن مطالبتها من"محاذير"قبل سنوات- عندما كانت نائبة لإسترادا- بأن يتوسط بين حكومتها والجبهة الإسلامية، ولذلك طرحت تساؤلات حول قبول الحكومة الفليبينية بأن تتوسط ماليزيا بينها وبين الجبهة الإسلامية.

وترتبط المسألة بشكل مباشر بالخلاف الحدودي القديم بين ماليزيا والفليبين؛ حيث تطالب الأخيرة بولاية"صباح"التي تقع في الشمال الغربي للجزء الشرقي لماليزيا القريب جدا من الجزر الجنوبية للفليبين.. فهل هناك اتفاق على أن تضغط ماليزيا على الجبهة الإسلامية لتوقّع على حكم ذاتي موسع أو محدود أو غير ذلك مقابل تراجع الفليبين عن المطالبة بولاية"صباح"وجزرها؟!

وفي المقابل بدأ مسيحيو الجنوب التلويح بسحب تأييدهم للرئيسة جلوريا بسبب ما أسموه بـ"تدويل الصراع في الجنوب"، وقد طالب مرشحو الانتخابات القادمة التشريعية في 14 مايو من المعارضة بالكشف عن تفاصيل البلاغ الرسمي الذي تم توقيعه في كوالالمبور؛ محذرين الحكومة من التنازل كليةً عن مطالبتها بولاية"صباح"الماليزية التي تحوي عشرات الألوف من سكان الجنوب الفليبيني المهاجرين إليها.

مفارقة

الموقف الرسمي للحكومة الفليبينية لم يتغير؛ ففي يوم 29/3/2001 عارضت حكومة ماليزيا تدخل مانيلا في الخلاف القانوني في محكمة العدل الدولية بين ماليزيا وإندونيسيا على مجموعة جزر صغيرة بالقرب من ولاية"صباح"، وقد تدخلت حكومة مانيلا؛ أملًا في أن يؤثر قرار المحكمة الدولية إيجابيا على مساعيها في الحصول على ولاية"صباح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت