-تأتى محورية الحديث عن الشباب، انطلاقًا من أنهم عصب الأمة وهم الذين يقومون بأشق الأعمال، وأصعب المهام؛ بعكس مرحلة الطفولة والشيخوخة التى يغلب فيها الأخذ على العطاء {والله خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة} ، فإذا ضاعت هذه المرحلة دون عطاء أو عمل تفقد الأمة قوتها: {إن خير من استأجرت القوى الأمين} ، وقد أفاد الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك حين قال ما معناه: «بعثت فخذلنى الشيوخ ونصرنى الشباب» ، ويكفى أن نعرف أن سبعة من العشرة المبشرين بالجنة هم من الشباب، وعلى رأسهم على بن أبى طالب رضي الله عنه ، ومن ثم يجب أن يحاسبوا بدقة وحسم؛ لأن كل دقيقة تضيع من أعمارهم تحسب من الرصيد الأثمن والأسمى لقوة الأمة، وبنائها.
ولذلك ورد في الحديث الشريف «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع - ومنها - عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه» ؛ لأن فترة الشباب لها خصوصية، وأهمية تفوق باقى مراحل العمر.
عقيدة وإنسان
ـ إذن فكيف تصبح هذه الرؤية مدخلًا لإشعال حماس الشباب، وتحفيزهم للمشاركة في نهضة الأمة؟
-بعيدًا عن الغبش الذى يدور الآن في وسائل الإعلام؛ فإن الحضارة ليست استهلاكًا أو سلعًا إنما هى عقيدة وإنسان، والحضارة بلا إنسان لا قيمة لها، والأمة التى يقودها رجل فاسد لا ترتقى، وللأسف فالأمة تملك ثروات وطاقات مادية كثيرة، لكنها لا تدار كما ينبغى لمصلحة الأمة، ومن هنا يسعى أعداؤنا لتبديد طاقة الشباب في العبث واللهو والغفلة، وما هذا إلا تخطيط منظم لتدمير الشباب، وإلهائه عن واقعه المرير، ومحاولة تغييره عن الأفضل.
وكذلك؛ فإن القوى التى تحكم الأمة ليست قادرة على أن تنتشل الشباب من هذا الواقع، بل إنها تستحدث لهم أدوات ووسائل تغرقهم في الغفلة عن التمرد أو الاعتراض على هذا الواقع وفى مقدمتها.. الإعلام الفاسد والإنفاق الترفى الذى يصل إلى حد السفه على الرياضة والفن والفنانين في الوقت الذى تعانى فيه الجامعات من ضآلة ميزانية البحث العلمى، وفى الوقت الذى يحصل فيه الأستاذ الجامعى على 500 دولار شهريًا، ومدير الجامعة لا يزيد دخله عن 1000 - 1500 دولار شهريًا؛ فإن أحد المدربين الرياضيين يتقاضى 55 ألف دولار شهريًا.
وعندما يطلع الشباب على هذا التناقض ينصرف بفكره عن العلم ولا يقدر قيمة العلماء، بل يتجه بطموحه إلى طريق الرياضة والفن رغبة في الثراء السهل السريع، وهذا يعنى أننا ندمر شبابنا ونجرهم إلى الهاوية فتنشأ أجيال تتحكم فيها العولمة فتصبح بلا قوة، ولا خلق، ولا علم، ولا فكر، ولا عطاء.
ـ في تصوركم كيف أسهم الشباب في صناعة الحضارة العربية الإسلامية وازدهارها على مدار تاريخ المسلمين؟
-الآن يقاس عمر الشباب بسن 20: 25 - 40: 45 سنة، أما في فجر الإسلام فكانت مرحلة الشباب تبدأ مبكرًا، وتتميز بالعطاء والإخلاص والتضحية.
ويكفى أن نقول: إن شابًا مثل أسامة بن زيد رضي الله عنه ذهب بقيادة الجيش لتأديب الروم وعمره حوالى 19 سنة، وتحت قيادته أبو بكر - خليفة المسلمين - وكذلك الثلاثة الذين قادوا معركة مؤتة كانوا من الشباب (زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب، وعبد الله بن رواحة) ، وكان عليّ بن أبى طالب على صغر سنه يقدم نفسه للموت، ويطلب مبارزة أعتى قوى الكفر انتصارًا لله ورسوله.
وهذا عقبة بن نافع يذهب مع ابن خالته عمرو بن العاص إلى مصر، ويستأذنه في فتح أفريقيا، وكان أيضًا من الشباب، أما اليوم فالشباب يعيش مأساة متعددة الأبعاد يشارك فيها المسئولون ومؤتمرات الأمم المتحدة والإعلام الغربى لضرب دين الله وقتل الولاء والانتماء لدى الشباب، وإثنائهم عن رسالتهم.
حرب على الشباب
ـ ما مدى صحة القول بأن الشباب العربى يتعرض لمؤامرة ضمن الحرب على الإسلام ؟
-أرفض القول بأن الشباب العربى يتعرض لمؤامرة؛ لأن المؤامرة شيء يدبر في الخفاء ويخشى ظهوره ويراد ظهور آثاره المدمرة، أما الآن فإن ما يحاك للشباب هو حرب شرسة بكل ما تحمله الكلمة من معان، إذ باتت تفرض عليهم الوجبات السريعة والكليبات والموضة وقصات الشعر والدش والنت والمقاهى التى تفتح على مصراعيها ليل نهار، بينما تغلق المساجد بسرعة عقب أداء الصلوات المفروضة تحت الدعاوى الأمريكية بأن التدين يصنع الإرهاب والعنف، وللأسف؛ فإن بعض الحكام والمسئولين العرب والمسلمين خدعوا بهذه المقولات واستجابوا لها على حساب انتمائهم الدينى.
ـ وما الذى أضعف مناعة الشباب وجعلهم يقعون فريسة سهلة لهذه المؤامرة.. أو الحرب؟
-هذه الحرب تدور رحاها منذ ستين عامًا تقريبًا، وإذا عدنا إلى جيل الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى نجد أنها أفرزت شخصيات مرموقة ذات قامات طويلة في مجالات الفكر والرأى والأدب، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معهم فإننا لا نستطيع أن ننكر دورهم في إثراء الساحة الفكرية والأدبية، أما الآن فكثير من الشخصيات المحسوبة على الفكر والأدب ما هى إلا أبواق تردد ما تريده الدولة، وترى بعينيها وتسمع بأذنيها دون أن يكون لها فكر أو رأى مستقل بناء.