فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 830

ومعروف أن هناك قبائل عربية جاءت من المشرق واستوطنت مناطق كان يسكنها الأمازيغ، فـ"تمزغت" (صارت أمازيغية) لسانًا وعادات وتقاليد، كما أن هناك قبائل أمازيغية اختلطت بالقادمين من شبه الجزيرة العربية فتعربت، والغريب أن في بعض المناطق الأمازيغية نجد شرفاء ينتسبون لآل البيت، وهو ما يدل على أنهم في الأصل عرب"تمزغوا".

من الناحية العرقية الخالصة يصعب الآن التحدث عن عربي خالص أو أمازيغي خالص بعد كل هذه القرون من التعايش والامتزاج، ولكن يمكن أن نتحدث عن ثقافات وعوائد وتقاليد وفنون أمازيغية، كما نستطيع أن نميز وجود ثقافة وعوائد وتقاليد وفنون عربية.

فهناك مجموعة من الأعراق امتزجت وانصهرت في بوتقة الإسلام، وأصبح الذي يوحد المغاربة هو الإسلام بغض النظر عن ثقافاتهم وعوائدهم.

وبالرجوع إلى تاريخ المنطقة، نسجل أنه مع وصول طلائع الفتح الإسلامي القادمة من المشرق وجدت في استقبالها أبناء البلد من الأمازيغ، الذين آمنوا بالرسالة المحمدية، وآووا الدعاة، ولما جاء المولى إدريس مؤسس الدولة الإسلامية في المغرب، زوجوه كنزة، بنت واحد من كبار شيوخهم، فتشكلت علاقات مصاهرة هي أعلى مستويات الاندماج، وساهم البعد الإسلامي في تيسر هذا الاندماج، على أن اعتبار هذا الدين الحنيف جاء للعالمين كافة، عربهم وأعاجمهم، وهذا الاندماج دفع الأمازيغ أنفسهم إلى الانخراط في عملية نشر الدين الإسلامي.

الأثر الاستعماري

أمازيغ المغرب لم يطرحوا موضوع الهوية الإثنية، في أي وقت من الأوقات، إلا في عهد الحماية الاستعمارية، حين سعى الفرنسيون إلى شق الصفوف، فقاموا عام 1930 بتشريع ما يعرف باسم الظهير (القانون) البربري لاستغلال النزعة الإثنية، بدعوى وجود عرب تحكمهم شريعة الإسلام، وأمازيغ تحكمهم أعرافهم وتقاليدهم التي ادعوا أن الإسلام قضى عليها وهو ما واجهه المغاربة بمختلف شرائحهم وطبقاتهم، عربهم وأمازيغهم، وكان سببًا مباشرا في ظهور الحركة الوطنية.

بعد ذلك يلاحظ أن محاولة إحياء النزعة الإثنية خنست بضعة عقود، رغم قيام الفرنسيين بتأسيس"الأكاديمية البربرية"في باريس، قبل أن تعاود هذه النزعة ظهورها في الأعوام القليلة المنصرمة، مع ظهور بعض الجمعيات التي أصبحت تتحدث عن الهوية الإثنية الأمازيغية، وعن السكان الأصليين، وعن الغزاة العرب، وعن سيطرة اللغة العربية وتهميش"اللغة الأمازيغية"أو اللهجات الأمازيغية، وهذه إشكالية طارئة تكتنفها مجموعة من النقاط الغامضة، سواء على مستوى توقيتها، أم على مستوى طرحها المذهبي والإيديولوجي، أو على مستوى آفاقها المستقبلية.

وتذهب هذه التوجهات المشبوهة إلى حد التحدث عما يسمى بـ"بلاد تامزغا"أو"الوطن الأمازيغي الكبير"الذي تدعي أنه يمتد من سيوا في مصر إلى جزر الكناري بالمحيط الأطلسي، وتطرح القضية الأمازيغية في إطار ما يسمى بـ"قضية الشعوب الأصلية"وهي نزعة تسعى إلى تفتيت المنطقة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الحالة ليست خاصة بهذه المنطقة، فهناك اليوم مد دولي، يتركز في العالم الإسلامي أكثر من غيره عن إحياء بعض النعرات الشعوبية التي عرف التاريخ الإسلامي جزءًا منها، ولا شك أن هناك أيادي خفية تحرك هذا المد لغايات معينة، والمؤسف أن كثيرا من الحركات ذات الطابع التجزئي موجودة في العالم الإسلامي، انطلاقا من الصحراء الغربية إلى تيمور الشرقية، مرورًا بجنوب السودان وكشمير وبلاد النوبة والطوارق..

ويبدو أن هذه الأيادي الخفية غير البريئة هي التي تحرك الحديث عن الهوية الإثنية الأمازيغية، وهو حديث يكتنفه الغموض، لأن هناك من يريد أن يتحدث اليوم، واليوم فقط، عن عرق أمازيغي خالص هو الغالب، وعن عرق عربي غزا المغرب يشكل أقلية، بل ولا يتورع بعضهم في الحديث عن استعمار وجود، واستعمار لغة، واستعمار ثقافة، ويحاول أن يمحو جزءا من تاريخ المنطقة تعايشت فيه هذه الأعراق قرونا واندمجت، وكونت حضارة بلغ مدها وسط أوربا وأعماق إفريقيا.

ولإزالة كل لبس حول الموضوع، يوضح الباحث أنه إذا كان المقصود بالأمازيغ الوجود الجغرافي والتراث الثقافي والأعراف والعوائد، فهذا مطلب مشروع لا إشكال فيه، لأن الإسلام لم يأت للقضاء على الثقافات الموجودة، ولكن إذا كان الغرض إثارة نعرة عنصرية تجزيئية تستهدف تقسيم المنطقة إلى كيانات صغيرة، والدفع بالسكان في أتون حرب أهلية، فهذا مرفوض من أهل المنطقة، عربًا وأمازيغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت