فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 830

4-يقول ابن حزم -رحمه الله- في المحلى ( 12/125) : وأما من فرَّ إلى أرض الحرب لظلم خافه ، ولم يحارب المسلمين ، ولا أعانهم عليهم ، ولم يجد في المسلمين من يجيره ، فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره

وقد ذكرنا أن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب ، كان عازمًا على أنه إن مات هشام بن عبد الملك لحق بأرض الروم ، لأن الوليد بن يزيد كان نذر دمه إن قدر عليه ، وهو كان الوالي بعد هشام ، فمن كان هكذا فهو معذور . انتهى ,ومعلوم أن الزهري عالم من علماء السلف ، وابن حزم يقول عنه معذور رغم أنه كان سيهاجر من أرض الإسلام إلى دار الكفر ليدفع عن نفسه الظلم والقتل . وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن يعذر المسلم عندما يهاجر ـ تحت ظروف الاضطرار والإكراه ـ إلى دار الكفر ويطلب فيها حق اللجوء ليأمن من إعادته إلى حيث هلكته وليدفع عن نفسه الظلم والقهر.

الشروط الشرعية لجواز طلب اللجوء السياسي:

1-أن يتأكد من وقوع الظلم عليه في دار الإسلام ، ويختار الأرض التي يكون فيها آمنًا هو وأهله وأمواله ، ويمكنه أن يعبد الله بحرية أكثر من بلاد الإسلام ، فإن لم يجد فليبحث بعد ذلك بين البلاد غير الإسلامية ، وأن يكون في حماية تلك الدولة ؛ لأن الظلم في الإسلام واحد ، سواء جاء من المسلمين أم من الكافرين وما الفائدة من تغيير صاحب الظلم والفتنة ؟!

2-أن لا يعين الكفار على المسلمين بأي أسلوب من أساليب الإعانة ؛ كأن يفشي لهم أسرار المسلمين ، أو أن يقاتل معهم ضد المسلمين ؛ لأن هذا يعتبر خيانة كبرى في الإسلام.

3-أن ينوي الرجوع إلى دار الإسلام فورًا بعد أن تزول الأسباب التي من أجلها ترك دار الإسلام ، إلا إذا كان في بقائه مصلحة عامة للإسلام والمسلمين ، كأن يرجى إسلام أهل الكفر ، أو تعليم المسلمين الذين أسلموا في دار الكفر .

4-أن يكون سفيرًا للإسلام في تلك البلاد بخلقه وعمله وإخلاصه ، وأن يقوم بتعريف الناس بالإسلام ، إذا كانت تسمح له ظروف تلك الدولة وقوانينها .

إشكال وجوابه:

هل طلب اللجوء من الدول الكافرة والاستئناف أمام محاكمها من التحاكم الى الطاغوت؟

الجواب:

1-إن الاحتكام إلى القوانين الوضعية ذات الطابع الإداري والتنظيمي ، والتي لا تتعارض مع دين الله وشرعه في شيء ، لايعد ذلك من ضروب التحاكم إلى الطاغوت الذي يكفر صاحبه.

يقول الشنقيطي في أضواء البيان ( 4/84) : اعلم أنه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السماوات والأرض ، وبين النظام الذي لايقتضي ذلك .

وإيضاح ذلك أن النظام قسمان: إداري ، وشرعي . أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع ، فهذا لا مانع منه ، ولا مخالف فيه من الصحابة ، فمن بعدهم . وقد عمل عمر رضي الله عنه من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط ، ومعرفة من غاب ومن حضر ، وكاشرائه ـ أعني عمر رضي الله عنه ـ دار صفوان بن أمية وجعله إيَّاها سجنًا في مكة المكرمة ، مع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر . فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع لا بأس به ، كتنظيم شؤون الموظفين ،وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع ، فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به ، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة . انتهى .

ومن يتأمل قوانين اللجوء والاستئناف المعمول بها في بلاد الغرب يجدها لا تخرج عن كونها قوانين تنظيمية وإدارية تنظم عملية اللجوء وشؤون اللاجئين وما لهم من حقوق، وبالتالي لا يجوز تحميل المعاني مالا تحتمل وإقحام التحاكم إلى الطاغوت الذي هو كفر بخالق السماوات والأرض في هذا النوع من التحاكم .

2-من يتأمل قصة لجوء الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إلى النجاشي يجد أنهم قد اضطروا ـ بعد لجوئهم الأول ونزولهم في ديار الحبشة ـ للمثول أمام الحاكم النجاشي ـ الكافر يومئذٍ ـ مرتين بسبب مطالبة كفار قريش بهم ، وللذود عن حقهم في إبطال مزاعم قريش الباطلة فيهم ، وكان احتمال تسليمهم إلى كفار قريش في كل مرة واردًا في حال كانت حجتهم واهية أمام مزاعم قريش التي وشوا بها إلى الملك .

وبعد انتهاء الجلسة الثانية وظهور الصحابة على خصومهم كفار قريش أمام الملك ، تقول أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: فخرجا ـ أي عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة ـ من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار . (انظر قصة الصحابة مع النجاشي في مسند الإمام أحمد حديث رقم 1740 قال أحمد شاكر: وإسناده صحيح, وصحيح السيرة النبوية ص 101-108 )

والشاهد من هذه القصة أن تكرار الجلسة في مجلس قضاء الملك مرتين وفي زمانين مختلفين ، وفي حضور الخصوم وجميع الأطراف ، هو نفسه ما يسمى في زماننا بالاستئناف ، فهل يصح أن يقال في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم بذلك قد تحاكموا إلى الطاغوت وكفروا .. اللهم لا ، وألف لا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت