تُعدّ قضية الجاليات الإسلامية في الغرب واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وإثارة للجدل؛ إذ يمثل الوجود الإسلامي فيه ثِقلًا بشريًا يقدَّر بحوالي (22) مليون مسلم في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية فقط، وقد بدأت هجرة المسلمين إلى الغرب في العصر الحديث -وبشكل ملحوظ- بعد الحرب العالمية الثانية لأسباب متعددة منها: ابتغاء الرزق، وتحصيل العلم، وطلب الأمن فرارًا من الاضطهاد، وغيرها من الأسباب..، بيد أن هذه الهجرة قد اتسعت وتضاعفت أعدادها، وتحوّلت من كونها هجرة عابرة إلى جالية مستقرة تبحث عن مقتضيات وجودها خاصة مع ظهور الجيل الثاني والثالث الذين حملوا الجنسيات الأوروبية والأمريكية ولغاتهم، فتعززت الحاجة إلى قيام المؤسسات التي تحتاج إليها الجماعات المسلمة حفاظًا على هُويّتها وشخصيّتها دون عزلة أو انكفاء؛ فأُنشئت المساجد للعبادة، والمدارس للتعليم، والأندية للتوجيه والترفيه، وعُقِدت المؤتمرات، وأُقيمت المخيمات، وأُلقيت الدروس والمحاضرات، وفُرِّغ الدعاة والمعلِّمون، وإزاء هذا الوجود المتعاظم للجالية الإسلامية إضافة إلى الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين الذي نشأ في بلاد الغرب، واعتناق العديد من الأوروبيين والأمريكان للدين الإسلامي، والنظر إلى العيش في الغرب على أنه بلد المواطنة؛ فقد برزت تحدّيات وإشكالات حول مرتكزات العلاقة وفقه الأقليات المسلمة في مجتمع يعيش خارج دار الإسلام، ولئن قرر فقهاؤنا أن الفتوى تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإن أعظم مظهر لتغيّر المكان هو اختلاف دار الإسلام عن غيرها.. فما طبيعة وجود الجاليات الإسلامية في الغرب؟ وما مدى شرعية هذا الوجود؟ وما الحقوق والواجبات المترتبة عليه؟ وما التحدّيات التي تواجه هذا الوجود؟ وما الإشكالات الفقهية الناجمة عنه؟ وكيف عالجها الفقه الإسلامي؟
في هذا الحوار مع الدكتور أحمد بن محمد الخضيري -عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود، وعضو الجمعية الفقهية السعودية- نلقي الضّوء على كثير من الإشكاليات التي تعاني منها تلك الأقليات وطرائق حلها، كما نرصد الفتاوى التي تصل للغرب من الديار الإسلامية بجانب مسائل أخرى استحدثها التطوّر في الغرب، وبقي لازمًا على الفقهاء أن يفتوا فيها..
ومن نحاوره في هذا الموضوع عالم له باع طويل في فقه الأقلّيات، جمع بين العلم الشرعي والمعايشة لتلك المجتمعات؛ إذ ابتعث ضيفنا للتدريس في الولايات المتحدة الأمريكية، وعمل على مدى أربع سنوات مدرسًا بمعهد العلوم الإسلامية والعربية في واشنطن في الفترة من (1416 - 1420) هـ، ألقى فيها الكثير من الدورات داخل الولايات الأمريكية.
فإلى الحوار...
ما المقصود بمصطلح فقه الأقلّيات الإسلامية؟
يُراد بمصطلح فقه الأقليات الإسلامية معرفة الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها المسلمون الذين يقيمون في بلاد تحكمها سلطة غير إسلامية، ووُصفوا بالأقليات؛ لأنهم أقلية بالنسبة للمجتمع الذي يعيشون فيه من غير المسلمين.
وقد نشأ هذا المصطلح في هذا العصر لانتشار الأقليات الإسلامية، وحاجتهم إلى معرفة الأحكام الشرعية في الوقائع التي تنزل بهم، والمتأمّل في حال الأقليات الإسلامية يجد أنه لا يمكن أن يُقاس بحال المسلمين الذين يعيشون في البلاد الإسلامية من كل وجه، لأن مسلمي الأقليات يفتقدون كثيرًا من المقومات الأساسية كوجود الحاكم المسلم، والمحاكم الإسلامية، والأنظمة الإسلامية؛ سواء كانت في مجال الأحوال الشخصية أو المعاملات المالية، أو الجنايات والقضاء، كما أنهم يتعاملون مع غير المسلمين بشكل دائم بسبب إقامتهم في بلادهم، ولهذا احتاجوا إلى من يقوم بدراسة المسائل المختصة بهم على ضوء هذه الحال، فوُجد الاهتمام بهذا الفقه من قبل المتخصصين، وأُنشئت المجامع الفقهية في البلاد الغربية لدراسة مسائل هذا الفقه كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية.
ما دقّة تسمية هذا الفقه بـ"فقه الأقلّيات"؟ وهل يمكن تطبيق هذا الفقه على بلاد تتسمى بالإسلامية، لكنها أبعد في واقعها عن الإسلام؟
تسمية هذا الفقه بفقه الأقليات تسمية اصطلاحية يُراد منها تمييز هذا الفقه بحسب موضوعه، وموضوعه: المسائل التي يحتاج إلى معرفة حكمها المسلمون الذين يعيشون في بلاد كافرة، فإذا أُطلق هذا الاسم تبادر إلى الذهن المسائل التي يتناولها هذا الفقه، وانتشرت هذه التسمية في العصر المتأخر لوجود الأقليات الإسلامية في كثير من البلاد غير الإسلامية، مما لم يكن معهودًا في العصور السابقة.