ومن هذا المنطلق كانت الرابطة الإسلامية بين صهيب الرومي وأبي بكر القرشي و بلال الحبشي أجناس شتى وهدف واحد ، وحدة في الهم والهدف والمصير .على هذا المعنى سارت الأجيال جيوش الفتح وحلقات العلم وسكان المصر تجمع ألوان الطيف البشرية وهذا المفهوم ظل راسخا ولا يحتاج إلى مزيد تدليل .
ومن هذا المنطلق يتقرر أن مفهوم القطرية مرفوض ويشتد رفضه إذا كان في العمل الإسلامي ،فأخوة الإسلام تستوعب كل ألوان الطيف البشرية والتنادي بالقطرية خطأ و خطر من الناحية الشرعية فقد عاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة عندما تنادوا بها وعدها عودة إلى الوراء حينما قال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين، فقال صلى الله عليه وسلم: ما بال دعوى الجاهلية وفي رواية أخرى قال دعوها فإنها منتنة . (رواه مسلم)
هذا هو الأصل شرعا ولا بد أن يدركه العاملون في المراكز الإسلامية والدعاة المغتربون الذين يعملون في مناطق تجمع أجناس شتى وأن تتوجه العملية الدعوية والتربوية للجميع وهذا لا ينافي تخصيص أبناء كل بلد بمعان تربوية و دعوية خاصة أخذًا بعين الاعتبار الظرف الذي تعيشه مناطق هؤلاء فهذا له ما يبرره من الناحية العملية .
( أما أن تظهر بين الإسلاميين- وخاصة الدعاة المقيمين في المهجر- عصبية الجاهلية ويتنادوا بأجناسهم وأقوامهم إما قولا أو عملا والأخير أكثر ،إلى الحد الذي يخشى أن تصبح معه هذه النعرة ظاهرة وما كان ينبغي لهذه اللوثة أن تسري والإسلاميون في وعي لهدي دينهم وفقه لمبادئ دعوتهم ووقوف عند سيرة قائدهم الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فهل يرضى أحد من الإسلاميين بعد تمثله هذا الهدي العالي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرتد إلى جاهلية جهلاء في التعصب للقوم ، كما صوره دريد بن الصمة بقوله:
وهل أنا إلا من غزية إن غوت … …
غويت وإن ترشد غزية أرشد
ولا يخفى على الإسلاميين أنه لا تجتمع أخوة الإسلام والعصبية الإقليمية في قلب مسلم نطق بالشهادتين واطمأن بهما قلبه ووعى دينه ، ومن هنا كانت القطرية الضيقة من أشد السلبيات سوءًا وأخطرها في حياة الإسلاميين و دعوتهم ، وكان التخلص منها من الأولويات التي يجب أن يخصها الإسلاميون باستئصال شأفتها أينما وجدت وحيثما ذرّ لها قرن (1) .
وهذا التأصيل لا يمنع العمل بمفهوم القطرية في الإطار المشروع فقد يحتف بالواقع من الملابسات ما يلزم الداعية العمل في الإطار القطري فقط ، كما لا يتعارض مع خصوصيات كل قطر في معالجة مشاكله واختيار الأساليب الدعوية الأنجع والأنفع ولكن تبقى عالمية الدعوة هي الأصل وما سواها عارض ، وليس منا من دعا بدعوى الجاهلية (متفق عليه) .
وقال صلى الله عليه وسلم ومن دعا دعوى الجاهلية فهو جثا (2) جهنم (أي من جماعتها) فقال رجل:يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال نعم وإن صام وصلى (رواه أحمد والترمذي والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم)
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل ،،،
وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى,,,
(1) - سلبيات في حياة الإسلاميين 44-47 (بتصرف)
(2) -الجثا الحجارة المجموعة