ورواية الحسن بأن الحرة العاقلة البالغة لو زوجت نفسها من غير كفء لا يصح. وإفتاؤهم بالعفو عن طين الشارع للضرورة وبيع الوفاء والاستصناع والشرب من السقا بلا بيان مقدار ما يشرب. ودخول الحمام بلا بيان مدة المكث ومقدار ما يصب من الماء. واستقراض العجين والخبز بلا وزن وغير ذلك مما بني على العرف وقد ذكر من ذلك في الأشباه مسائل كثيرة.
(فهذه) كلها قد تغيرت أحكامها لتغير الزمان إما لضرورة وإما للعرف وإما لقرائن الأحوال وكل ذلك غير خارج عن المذهب لأن صاحب المذهب لو كان في هذا الزمان لقال بها ولو حدث هذا التغير في زمانه لم ينص على خلافها وهذا الذي جرأ المجتهدين في المذهب وأهل النظر الصحيح من المتأخرين على مخالفة المنصوص عليه من صاحب المذهب في كتب ظاهر الرواية بناء على ما كان في زمنه كما مر تصريحهم به في مسألة كل حل علي حرام من أن محمدًا بنى ما قاله على عرف زمانه وكذا ما قدمناه في الاستئجار على التعليم.
(فإن قلت) العرف يتغير مرة بعد مرة فلو حدث عرف آخر لم يقع في الزمان السابق فهل يسوغ للمفتي مخالفة المنصوص واتباع العرف الحادث. (قلت) نعم فإن المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في المسائل المارة لم يخالفوه إلا لحدوث عرف بعد زمن الإمام فللمفتي أتباع عرفه الحادث في الألفاظ العرفية وكذا في الأحكام التي بناها المجتهد على ما كان في عرف زمانه وتغيير عرفه إلى عرف آخر إقتداء بهم لكن بعد أن يكون المفتي ممن له رأي ونظر صحيح ومعرفة بقواعد الشرع حتى يميز بين العرف الذي يجوز بناء الأحكام عليه وبين غيره فإن المتقدمين شرطوا في المفتي الاجتهاد وهذا مفقود في زماننا فلا أقل من أن يشترط فيه معرفة المسائل بشروطها وقيودها التي كثيرا ما يسقطونها ولا يصر حون بها اعتمادا على فهم المتفقه وكذا لابد له من معرفة عرف زمانه وأحوال أهله والتخرج في ذلك على أستاذ ماهر ولذا قال في آخر منية المفتي لو أن الرجل حفظ جميع كتب أصحابنا لابد أن يتتلمذ للفتوى حتى يهتدي إليه لأن كثيرًا من المسائل يجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة. انتهى.
وفي القنية ليس للمفتي ولا للقاضي أن يحكما على ظاهر المذهب ويتركا العرف. انتهى.
ونقله منها في خزانة الروايات وهذا صريح فيما قلنا من أن المفتي لا يفتي بخلاف عرف أهل زمانه.
(وفي) تصحيح العلامة قاسم فإن قلت قد يحكون أقوالًا من غير ترجيح وقد يختلفون في التصحيح قلت يعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغيير العرف وأحوال الناس وما هو إلاّ رفق بالناس وما ظهر عليه التعامل وما قوى وجهه ولا يخلوا الوجود من تمييز هذا حقيقة لا ظنًا بنفسه ويرجع من لم يميز إلى من يميز لبراءة ذمته.
(فهذا) كله صريح فيما قلنا من العمل بالعرف ما لم يخالف الشريعة كالمكس والربا ونحو ذلك فلا بد للمفتي والقاضي بل والمجتهد من معرفة أحوال الناس وقد قالوا ومن جهل بأهل زمانه فهو جاهل وقدمنا أنهم قالوا يفتى بقول أبي يوسف فيما يتعلق بالقضاء لكونه جرب الوقائع وعرف أحوال الناس.
وقالوا إذا زرع صاحب في الأرض أرضه ما هو أدنى مع قدرته على الأعلى وجب عليه خراج الأعلى قالوا وهذا يعلم ولا يفتى به كيلا يتجرأ الظلمة على أخذ أموال الناس.
وكذا قال في فتح القدير قالوا لا يفتى بهذا لما فيه من تسلط الظلمة على أموال المسلمين إذ يدعى كل ظالم أن الأرض تصلح لزراعة الزعفران ونحوه وعلاجه صعب. انتهى. (فقد) ظهر لك أن جود المفتي أو القاضي على ظاهر المعقول مع ترك العرف والقرائن الواضحة والجهل بأحوال الناس يلزم منه تضييع حقوق كثيرة وظلم خلق كثير.
(ثم أعلم) أن العرف قسمان عام وخاص فالعام يثبت به الحكم العام ويصلح مخصصا للقياس والأثر بخلاف الخاص فإنه يثبت به الحكم الخاص ما لم يخالف القياس أو الأثر فإنه لا يصلح مخصصا.
تحقيق المناط:
والمناط هو العلة من النوط أي التعليق فالحكم معلق بها ، تقول ناط به نوطًا أي علقه.قال حسان:
وَأَنْتَ زَنِيمُ نيطَ في آلِ هاشِمٍ *** كَما نيطَ خَلفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَردُ
ويُقال هو منه مناط الثريا ، أي: بعيد ، وهو تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع علة حكم ما في محله بنص أو إجماع فيبين المجتهد وجودها في الفرع. (شرح مختصر الروضة 2/233)
قال في مراقي السعود:
تَحقيقُ عِلَّةٍ عَلَيْها ائْتُلِفا *** في الفَرْعِ تَحْقيقَ مَناطِ عُرِفا
كتحقيق الطوافة في الفأرة فيحكم لها بحكم الهرة. وهو تطبيق القاعدة الشرعية المتفق عليها أو المنصوص عليها. وتحقيق المناط لا ينقطع فيه الاجتهاد إذ لا يمكن التكليف إلاّ به كما قال الشاطبي ، وأمثلته كثيرة وهي التي ركز عليها الفقهاء. (نشر البنود 2 /208)
وقال الشاطبي: الاجتهاد على ضربين: أحدهما لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع التكليف وذلك عند قيام الساعة ، والثاني يمكن أن ينقطع قبل فناء الدنيا . فأما الأول فهو الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط وهذا الذي لا خلاف فيه بين الأمّة في قبوله ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله. (الموافقات4 /89-90)
خامسًا:قاعدة النظر في المآلات: