فهرس الكتاب

الصفحة 731 من 830

وليست هذه الظلال مجالًا لعرض هذا التاريخ الطويل . ولكننا سنشير فقط إلى قليل من كثير من تلك الحرب المسعورة التي شنها اليهود على الإسلام وأهله على مدار التاريخ . .

لقد استقبل اليهود رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ودينه في المدينة شر ما يستقبل أهل دين سماوي رسولًا يعرفون صدقه , ودينًا يعرفون أنه الحق . .

استقبلوه بالدسائس والأكاذيب والشبهات والفتن يلقونها في الصف المسلم في المدينة بكافة الطرق الملتوية الماكرة التي يتقنها اليهود . . شككوا في رسالة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهم يعرفونه ; واحتضنوا المنافقين وأمدوهم بالشبهات التي ينشرونها في الجو وبالتهم والأكاذيب . وما فعلوه في حادث تحويل القبلة , وما فعلوه في حادث الإفك , وما فعلوه في كل مناسبة , ليس إلا نماذج من هذا الكيد اللئيم . . وفي مثل هذه الأفاعيل كان يتنزل القرآن الكريم . وسور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحشر والأحزاب والتوبة وغيرها تضمنت من هذا الكثير:

ولما جاءهم كتاب من عند اللّه مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به , فلعنة اللّه على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه - بغيًا أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده - فباءوا بغضب على غضب , وللكافرين عذاب مهين . . . [ البقرة:89 - 90 ] .

وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك , بقوله تعالى: (قاتلهم اللّه ! أنى يؤفكون ?) .

و . . نعم . . قاتلهم اللّه ! كيف يُصرفون عن الحق الواضح البسيط , إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدى عقل أو ضمير ?!

الدرس الثالث:31 كفر اليهود والنصارى في طاعة أحبارهم ورهبانهم بالباطل

ثم ينتقل السياق القرآني إلى صفحة أخرى من صحائف الانحراف الذي عليه أهل الكتاب ; تتمثل في هذه المرة لا في القول والاعتقاد وحدهما ; ولكن كذلك في الواقع القائم على الاعتقاد الفاسد:

(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه والمسيح ابن مريم . وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا , لا إله إلا هو , سبحانه عما يشركون) . .

وفي هذه الآية استمرار في وجهة السياق في هذا المقطع من السورة . من إزالة الشبهة في أن هؤلاء أهل كتاب . . فهم إذن على دين اللّه . . فهي تقرر أنهم لم يعودوا على دين اللّه , بشهادة واقعهم - بعد شهادة اعتقادهم - وأنهم أمروا بأن يعبدوا اللّه وحده , فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه - كما اتخذوا المسيح ابن مريم ربًا - وأن هذا منهم شرك باللّه . . تعالى اللّه عن شركهم . . فهم إذن ليسوا مؤمنين باللّه اعتقادًا وتصورا ; كما أنهم لا يدينون دين الحق واقعًا وعملًا .

وقبل أن نقول:كيف اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا , نحب أن نعرض الروايات الصحيحة التي تضمنت تفسير رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - للآية . وهو فصل الخطاب .

الأحبار:جمع حَبر أو حِبر بفتح الحاء أو بكسرها , وهو العالم من أهل الكتاب وكثر إطلاقه على علماء اليهود . . والرهبان:جمع راهب , وهو عند النصارى المتبتل المنقطع للعبادة ; وهو عادة لا يتزوج , ولا يزاول الكسب , ولا يتكلف للمعاش .

وفي"الدر المنثور". . روى الترمذي [ وحسنه ] وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه وغيرهم عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - قال:أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ في سورة براءة: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه) فقال:"أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم , ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه . وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه".

وفي تفسير ابن كثير:وروى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير - من طرق - عن عدي بن حاتم - رضي اللّه عنه - أنه لما بلغته دعوة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فر إلى الشام , وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه . ثم منّ رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على أخته وأعطاها , فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام , وفي القدوم على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فقدم عدي المدينة - وكان رئيسًا في قومه طيئ وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم - فتحدث الناس بقدومه , فدخل على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وفي عنق عدي صليب من فضة , وهو يقرأ هذه الآية: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللّه) قال:فقلت:إنهم لم يعبدوهم . فقال:"بلى ! إنهم حرموا عليهم الحلال , وأحلوا لهم الحرام , فاتبعوهم:فذلك عبادتهم إياهم . . .".

وقال السدي:استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم . ولهذا قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام , وما حلله فهو الحلال , وما شرعه اتبع , وما حكم به نفذ .

وقال الألوسي في التفسير:

"الأكثرون من المفسرين قالوا:ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم . بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم". .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت