فهرس الكتاب

الصفحة 761 من 830

أما الدعاء لمن مات على الكفر بالمثوبة فلا يصح ولا يستقيم، ذلك أن الكافر لا مثوبة له في الآخرة... قال الله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [هود: 15، 16] ، وقال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [الشورى: 20] .

وقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على آراء [12] :

فقيل: نزلت في الكفار; قاله الضحاك, واختاره النحاس; بدليل الآية التي بعدها {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 16] . أي من أتى منهم بصلة رحم أو صدقة نكافئه بها في الدنيا, بصحة الجسم, وكثرة الرزق, لكن لا حسنة له في الآخرة.

وقيل: المراد بالآية المؤمنون; أي من أراد بعمله ثواب الدنيا عجل له الثواب ولم يُنقَص شيئًا في الدنيا, وله في الآخرة العذاب لأنه جرد قصده إلى الدنيا, وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) ، فالعبد إنما يعطى على وجه قصده, وبحكم ضميره; وهذا أمر متفق عليه في الأمم بين كل ملة.

وقيل: هو لأهل الرياء; وفي الخبر أنه يقال لأهل الرياء: (صمتم وصليتم وتصدقتم وجاهدتم وقرأتم ليقال ذلك فقد قيل ذلك) ، ثم قال: (إن هؤلاء أول من تسعر بهم النار) ، رواه أبو هريرة, ثم بكى بكاء شديدًا، وقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها} ، وقرأ الآيتين [خرجه مسلم في"صحيحه"بمعناه، والترمذي أيضًا] .

وقيل: الآية عامة في كل من ينوي بعمله غير الله تعالى, كان معه أصل إيمان أو لم يكن; قاله مجاهد وميمون بن مهران, وإليه ذهب معاوية رحمه الله تعالى. وقال ميمون بن مهران: ليس أحد يعمل حسنة إلا وُفّيَ ثوابَها; فإن كان مسلمًا مخلصًا وُفّيَ فِي الدنيا والآخرة, وإن كان كافرًا وُفّيَ في الدنيا. وقيل: من كان يريد"الدنيا"بغزوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وُفِّيَهَا, أي وُفِّيَ أجرَ الغزاة ولم ينقص منها; وهذا خصوص والصحيح العموم.

وحكى ابن الجوزي هذه الآراء الأربعة في تفسيره مختصرة [13] .

وأورد ابن كثير نحوها، وإن كان يميل إلى أن الآية في أهل الرياء عامة، فإنه لا ثواب لهم في الآخرة [14] .

وكذلك أوردها ابن العربي، وقال: (أخبر الله سبحانه أن من يريد الدنيا يعطى ثواب عمله فيها، ولا يبخس منه شيئا. واختلف بعد ذلك في وجه التوفية؛ فقيل في ذلك صحة بدنه أو إدرار رزقه) .

قال سعيد بن جبير: (أعطوا ثواب ما عملوا من خير في الدنيا. وقال مجاهد:(من عمل عملًا من صلة، أو صدقة، لا يريد بت وجه الله، أعطاه الله ثواب ذلك في الدنيا، ويدرأ به عنه في الدنيا) [15] .

فتقرر - على آرائهم جميعًا: أن لا ثواب للكافر في الآخرة.

وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة; وكذلك الآية التي في"الشورى": (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها... الآية [الشورى: 20] ، وكذلك: {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} [آل عمران: 145] [16] .

ومن ذهب إلى هذا قيد هذه الآيات بآية الإسراء؛ {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا} [الإسراء: 18] ، كما نقله من سبق ذكر أقوالهم.

وبوب الإمام مسلم في"صحيحه": باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل.

وأورد تحته: عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين. فهل ذاك نافعه؟ قال: (لا ينفعه. إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) [17] .

قال الإمام النووي:(أي لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل.

قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وقد انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب لكن بعضهم أشد عذابًا من بعض بحسب جرائمهم. هذا آخر كلام القاضي.

وذكر الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي - في كتابه"البعث والنشور"- نحو هذا عن بعض أهل العلم والنظر، قال البيهقي: وقد يجوز أن يكون حديث ابن جدعان وما ورد من الآيات والأخبار في بطلان خيرات الكافر إذا مات على الكفر ورد في أنه لا يكون لها موقع التخلص من النار وإدخال الجنة، ولكن يخفف عنه من عذابه الذي يستوجبه على جنايات ارتكبها سوى الكفر بما فعل من الخيرات) [18] .

وفي إحباط عمل الكافر - إن مات على الكفر - نصوص كثيرة... منها: قول الله تعالى: {ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 88] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت