تلك الروح الوثابة التي كان يزخر بها باطنه، فتفيض أدبا وخلقا على جوارحه, وما زلت اذكر تلك الضمة الحارة القوية، وهو يعانقني ويلفني لصدره, فأحسست بقلبه يلامس شغاف قلبي، عرفت من ذلك اليوم تلك العاطفة الأخوية الصادقة القوية التي كانت تغذي قلبه, وتدفعه لمعرفة كل أخ جديد, كان مولعا بالتعرف على الإخوان وتكوين الصداقة وعلاقات الأخوة معهم, فكان - رحمه الله -يتميز بشفافية نفسية عجيبة ورهافة في الحس, فكان سريع التأثر لا يتحمل الصدمات العاطفية, لذا كان يبكي - رحمه الله -عند اللقاء, وعند الفراق، ولا يستطيع أن يخفي دموعه أبدا، فقد كانت تفضحه في كل مناسبة.
وذات يوم ناديته بشطر واحد من كنيته فغضب مني وانزعج كثيرا، وقال لي:"خاطبني بأحب الأسماء إلي، فإن كنيتي اسم مزدوج مركب، ولا اقبل من أحد أن يفصل بين شطريها، فإنه لا يصح شطر منها بدون الآخر"، ولكن سرعان ما استرضيته، واعتذرت منه بعد أن عرفت أن الرجل جاد فعلا فيما يقول ... وبعد أيام جاءني وأوضح لي سر غضبه ليزيل عني الحيرة والتعجب, فأخبرني أن كنيته مستوحاة من اسمين اثنين لأخوين كريمين أحبهما في الجزائر، فأراد ألا يغادر احد منهما مخيلته فكنى نفسه باسميهما. لقد كانت هذه صفات أصحاب النفوس السامية، يعيشون على أطلال الماضي والإخوة والأصحاب، سمت نفوسهم فبقيت تلك الذكرى محفورة في الذاكرة لا تمحيها الأيام ولا السنين، تبقى سنين عديدة وأعوام مديدة، لا يزيدها طول الزمن إلا رسوخا، ولا البعد الا شموخا، يعيشون على ماضي الصفاء والمودة والأخوة والحب، ليستلهمون به مستقبلا زاهرا مشرقا، يتزودوا من خلاله بالتقوى ورباط الإخوة والإيمان بالله تعالى، لم يزدهم البعد الا محبة، ولا الذكرى الا مودة، فكانوا من أولئك الذين"يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله .. ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه".
كان - رحمه الله - يتتبع الآثار ويلتزم السنة ويشدد في ذلك, ويبتعد عن البدع صغيرها وكبيرها, يهوى العلم الشرعي ومصطلح الحديث, شارك في دورة الدعاة, وكان مجتهدا فيها لا يعرف الراحة ولا الاسترخاء ولا الملل أو الكسل, وهو - رحمه الله -ذا شخصية قوية وشجاعة أدبية، لا يؤخر البيان عن وقته ويعتبر ذاك الوقت