وأمّا"مذ"و"منذ"فهما لفظان تتجاذبهما الاسميّة، والحرفية والأغلب على"مذ"الاسميّة، وعلى"منذ"الحرفيّة؛ لأنّهم قالوا: أصل"مذ":"منذ"فحذفت النّون؛ بدليل إعادتها في التصغير، فتقول: منيذ، فإن لقي الذّال ساكن بعدها ضمّت؛ ردّا إلى أصلها، وكسرت؛ على أصل التقاء السّاكنين.
أمّا إذا كانتا اسمين: فإنّ موضعهما رفع بالابتداء [1] ، وما بعدهما خبرهما، وقيل بالعكس [2] ، ولهما موضعان:
الأوّل: أن تكونا بمعنى الأمد، فيكون الاسم بعدهما نكرة معدودا، فإن عرّفته جاز، تقول: ما رأيت زيدا، فيقال لك: ما
أمد انقطاع الرّؤية؟
فتقول: مذ يومان، ومذ اليومان، أي: أمد ذلك يومان، فهذا يقتضى العدّة فحسب، وينتظم أوّل الوقت وآخره، فإن قلت: يوم الاثنين، مثلا: ما رأيته مذ يومان - وقد كنت رأيته يوم الجمعة، أو السّبت - جاز، ولم يعدّ بالنواقص، وقيل: إذا رأيته أمس، فقلت اليوم: ما رأيته [مذ] [3] يومان جاز، وزعم الأخفش أنّهم يقولون ما رأيته مذ اليوم، و: مذ العام، ولا يقولون: مذ الشّهر، ولا مذ يوم، ولا مذ الساعة [4] ، وهو على غير قياس؛ وقد حكي عن العرب استعمال أمثلة، وامتناع من أخرى، لم نطل بذكرها.
الموضع الثّاني: أن تكونا بمعنى أوّل الوقت، ولا يكون الاسم بعدهما
(1) انظر: الإيضاح العضديّ 1/ 266 - 262.
(2) وهو مذهب الأخفش والزجاج وطائفة من البصريين، انظر الجنى الدانى 65.
(3) تتمّة يلتئم بمثلها الكلام.
(4) لم أقف على هذا الزعم للأخفش فيما لديّ من مصادر.