مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها [1] ، فردّ إلى اللّفظ، وقوله: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا [2] فأعاد إلى المعنى.
تكون في كلا وجهيها مرفوعة ومجرورة.
فالرّفع: علي الابتداء، تقول: كم درهما مالك؟ فهي مبتدأ، و «مالك» خبره، و «درهما» مميّزه، وكذلك في الخبريّة؛ وإنّما جاز الابتداء بها وهي نكرة لاستغراقها الجنس؛ فنزّلت به منزلة المعارف، ويجوز أن تجعل «مالك» المبتدأ، و «كم» الخبر. وتقول: كم درهما عندك؟ وكم غلام لك، فالتقدير: أيّ عدد من الدّراهم حاصل عندك، وكثير من الغلمان كائن لك، فإذا قلت: كم غلاما مالك ذاهب، جعلت «لك» صفة ل «الغلام» و «ذاهبا» خبرا ل «كم» ، وإذا قلت: كم غلمانك؟ فلا يجوز إلا الرّفع في «غلمانك» ؛ لأنّه معرفة، والتّمييز لا يكون بالمعرفة؛ فكأنّك قلت: أعشرون غلمانك [3] ؟.
وأمّا النّصب: فعلى المفعول: كقولك: كم إنسانا ضربت.؟ وكم غلام ملكت، ف «كم» منصوبة ب «ضربت» و «ملكت»
وتنتصب علي الظّرفيّة؛ كقولك: كم ليلة سرت؟ وكم يوم صمت، كأنّك قلت: أعشرين ليلة سرت؟ وأيّاما كثيرة صمت.
(1) 4 / الأعراف.
(2) 26 / النجم. وقد مرّت قريبا ص 654.
(3) قوله: فلا يجوز إلّا الرّفع ... إلى قوله: أعشرون غلمانك، هو نصّ كلام ابن السرّاج في الأصول 1/ 317.