ولأنه أطال القراءة ليلة، فجاء أعرابي إلى النبي، فأخبره أن معاذًا يصلي معك ثم يأتي قومه فيصلي بهم/ ... [1] .
فإن قيل: لعله كان يتطوع مع النبي صلى الله عليه وسلم ويفترض مع قومه [2] .
قيل: لا يظن بمعاذ أن يترك الفريضة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يظن به مع فقهه أن يتنفل بعدما أقيمت المكتوبة [3] .
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له الأعرابي حاله لم يستفصل؛ فدل على أنه لا يختلف. ولأن جابرًا بَيّنَ أنه كان يفترض مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقطع بذلك إلا عن إحاطة.
وروى أبو بكرة [4] (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بقوم صلاة المغرب ثلاث ركعات، وجاء آخرون، فصلى بهم ثلاث ركعات؛ فكان لرسول الله ست ركعات، وللقوم ثلاث) [5] .
فإن قيل: لعله كان في الوقت الذي كان يصلي فيه اليوم مرتين، ثم قال: (لا تُصَلَّى صَلاَةٌ مَرَّتَيْن) " [6] ."
(1) أخرجه البخاري (2/ 434) كتاب: الأذان، باب: من شكا إمامه إذا طول، حديث (705) ، مسلم (1/ 339) ، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، حديث (465) .
(2) ينظر: المبسوط (1/ 137) .
(3) قيل: لا يصح؛ لثلاثة أشياء:
أحدها: أن جابر بن عبدالله ـ وهو راوي الحديث ـ يقول: (كان معاذ بن جبل يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة ثم ينصرف فيصلي بقومه، هي لهم فريضة وله نافلة) ؛ وجابر لا يقول هذا إلا عن علم.
والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة"، فكيف يجوز لمعاذ مع سماع هذا أن يصلي النافلة عند قيام المكتوبة؟!
والثالث: أن معاذ كان يعلم أن فرضه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من فرضه إمامًا بقومه، وهو لا يختار لنفسه إلا أفضل الحالين، ولا يجوز أن يظن به اختيار أنقصهما.
(الحاوي(2/ 402، 403) ، المجموع (4/ 170، 171 ) ) .
(4) هو: نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو بن علاج بن عبد العزى بن غيرة ـ بكسر المعجمة ـ ابن عوف بن قيس بن ثقيف، الثقفي، أبو بكرة، نزل عليها من الطائف؛ فكناه النبي صلى الله عليه وسلم بها. اعتزل الجمل وصفين، ومات سنة إحدى وخمسين.
(الخلاصة(3/ 99) ، تهذيب التهذيب (10/ 469) ، تقريب التهذيب (2/ 306) ، الكاشف (3/ 208 ) ) .
(5) أخرجه ابن خزيمة في الصحيح (2/ 307) ، في باب: صلاة الإمام المغرب بالمأمومين صلاة الخوف، حاشية ابن القيم (4/ 89) .وقال ابن القطاني فيه أن الحديث غير متصل لأن أبا بكرة لم يصلِِ مع رسول الله صلاة الخوف. وقال الحافظ هذا لاريب فيه لكنه ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة فإنه سمعها من صحابي غيرة فالتعليل على هذا باطل، والله أعلم.
(6) ينظر أخرجه أحمد (2/ 19، 41) ، أبو داود (1/ 389) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في الجماعة وأدرك جماعة أيعيد؟ حديث (579) ، النسائي (2/ 114) كتاب: الإمامة، باب: سقوط الصلاة عمن صلى في المسجد جماعة الدارقطني (1/ 415) كتاب: الصلاة، باب: لا يصلي مكتوبة في يوم مرتين، حديث (1) وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وقال النووي في"الخلاصة": إسناده صحيح كما في نصب الراية (2/ 148) .وصححه الحافظ في تلخيص الحبير (1/ 156) .