قيل: لا يعرف ذلك، وقوله: (لا تصلى صَلاَة مَرَّتَيْنِ) ليس بنسخ [1] لأمر كان يفعل، بل هو بيان شرع؛ كما قال:"لاَ ثِنَى فِي الصَّدَقَةِ" [2] .
ولأنه لو كان كما قالوا، تصلي كل طائفة مرتين كما صلى [رسول] [3] الله صلى الله عليه وسلم.
ولأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة؛ فلم يمنع اختلاف نية الإمام والمأموم صحة الائتمام؛ كالمتنفل خلف المفترض، وسنة الفجر خلف من يصلي فريضة الصبح.
ولأن من جاز أن يكون إمامًا للمتنفل، جاز أن يكون إمامًا للمفترض؛ كالمفترض.
قالوا: نية الإمام لا تصلح لصلاته؛ فلم يجز أداؤها خلفه؛ كالجمعة خلف من يصلي النفل وخلف من يصلي الظهر، والصبح خلف من يصلي الكسوف، أو على الجنازة [4] .
قلنا: يبطل بمن صلى ركعتي الفجر خلف من يصلي الصبح، وبمن يصلي النفل خلف من يصلي الفرض؛ فإن نية الفرض لا تصلح للنفل، ثم تصح خلفه. والجمعة خلف من يصلي النفل [5] ،
(1) النسخ في اللغة: الرفع والإزالة، ومنه: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وحلَّت محله، والريح آثار القدم: غيرتها، ونسخ الشيب الشباب: أزاله وأعدمه، ومنه تناسخ القرون، ويطلق ويراد به التحويل والنقل بعد الثبوت، ومنه نسخت الكتاب، أي: نقلته، ونسخ الشيء، ينسخه نسخًا: اكتتبه، والنسخ: إبطال الشيء وإزالته وإقامة آخر مقامه، والنسخ كذلك: نقل الشيء من مكان إلى آخر، ونسخ الآية بالآية: إزالة حكمها.
(لسان العرب(6/ 4407) ، تاج العروس (2/ 282) ، تهذيب اللغة (7/ 181ـ182 ) ) .
والنسخ في الاصطلاح: هو عبارة عن خطاب الشارع المانع من استمرار ما ثبت من حكم خطاب شرعي سابق، أو أنه الخطاب الدال على اتباع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتًا به مع تراخيه عنه، وعرفه الزركشي بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب شرعي.
(المستصفى(1/ 107، 124، 125) ، الإحكام في أصول الأحكام (2/ 240) ، المعتمد (1/ 394، 395) ، كشف الأسرار (3/ 154، 155) ، تنقيح الفصول، ص (301) ، تيسير التحرير (3/ 178) ، فواتح الرحموت (2/ 53 ) ) .
(2) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (1/ 615) حديث (15902) وعزاه للديلمي عن أنس.
ومعنى"لا ثني": أي لا تأخذ الزكاة مرتين في السنة. (النهاية(1/ 224 ) ) .
(3) سقط في المخطوط.
(4) ينظر: المبسوط (2/ 137) .
(5) المراد: الاقتداء بما يظهر من أفعال الإمام دون نيته وما خفي من أفعاله؛ لأن من الابتداء بها تكليف ما لا يطاق، وذلك غير مستطاع فلم يصرف الخبر إلا إلى ما أمكن تكليفه من أفعاله الظاهرة وأما قياسهم على الجمعة، فالمعنى في الجمعة: أنه لما كان من شرطها الإمام كان من شرطها أن يوافق نية الإمام، ولما لم يكن الإمام شرطًا في سائر الفرائض لم تكن موافقة الإمام في النية شرطًا فيها، وأما قياسهم على الاختلاف في أفعال الصلاة من الركوع والسجود، فإن كان المستدل به حنفيًّا: انتقض عليه بالمتنفل خلف المفترض، وإن كان مالكيًّا: قيل: قياسك هذا يعترض عليه بالسنة الثابتة والإجماع المنعقد، وينكسر بصلاة المقيم خلف المسافر قد اختلفت نياتهما وتفاضلت أفعالهما، وقد أجمع المسلمون وأبو حنيفة معهم على جوازها. (الحاوي(2/ 403، 404 ) ) .