فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 511

قلنا: يبطل بالصلاة منفردًا؛ فإنه أتى بها على الوجه الذي يختص بشرعنا، ولا يوجب الحكم بإسلامه، وفي الأذان وجهان [1] ، وإن سُلِّم، فالمعنى فيه وفي كلمة الإيمان: أنه أتى بصريح لفظ الإيمان فلزمه حكمها.

وفي الختان وجهان [2] ، وإن سُلِّم؛ فلأنه لا يتهم فيه؛ لما فيه من الإيلام، وليس في الصلاة إيلام، وقد يفعلها تَقِيَّةً، واستهزاء؛ ولهذا قبلنا إقرار [3] العبد بقتل العمد [4] ؛ لما فيه من الإيلام، ولم نقبل [إقراره بقتل

(1) قال الماوردي: وأما قياسهم على الأذان فنبين أولًا مذهبنا فيه، ثم نتكلم عليهم: فإذا أتى الكافر بالشهادتين وإن قال على وجه الحكاية، فلا يختلف أصحابنا أنه لا يحكم بإسلامه، مثل أن يقول: قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله،= =أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإن قال ابتداء لا على سبيل الحكاية، كأن قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ـ فقد اختلف أصحابنا:

فقال بعضهم: لا يكون مسلمًا حتى يأتي رجلًا مسلمًا بنية الإسلام، ويأتي بالشهادتين قاصدًا بإتيانه إظهار الإسلام، وأما على غير هذا الوجه فلا يُحكم بإسلامه كما لو قال حاكيًا، قال أبو إسحاق: وهو الصحيح وعليه المعول في المذهب أنه يكون مسلمًا إذا أتى بالشهادتين، إما في صلاة أو أذان بقوله صلى الله عليه وسلم:"حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فعلى هذا المذهب يصير الأذان أصلًا لهم، والكلام عليهم أن يقال: قوله: عبادة، يختص بالبيت ألاَّ يسلم في الأذان؛ لأنه يصير مسلمًا بالشهادتين في الأذان لا بالأذان، والإتيان بالشهادتين لا يختص بالبيت، بل يجوز مستقبلًا للبيت ومستدبرًا، وقوله: أتى بكماله، لا تأثير له في الأصل وهو الأذان؛ لأنه إذا أتى بالشهادتين في الأذان صار مسلمًا بالإجماع، وإن لم يكمل الأذان، وإذا سقطت هذه الصفة لعدم تأثيرها انتقضت العلة بالمصلى منفردًا، على أن تعليق هذا الحكم على هذه العلة لا يمكن. (الحاوي(2/ 422 ) ) .

(2) في الختان ثلاثة أوجه: الأول: أنه واجب في حق الرجال والنساء وهو الأصح وعليه الكثيرون. الثاني: سنة في حق الرجال والنساء. الثالث: يجب على الرجل، وسنة في المرأة.

قال النووي: وهذان الوجهان ـ يعني الثاني والثالث ـ شاذان. والمذهب الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي رحمه الله وقطع به الجمهور ـ الأول. (المجموع(1/ 349 ) ) .

(3) الإقرار لغة: إفعال، من قر الشيء: إذا ثبت، يقر، من باب ضرب وعلم وثبت وسكن، وأقره مكانه: بعد أن كان مزلزلًا، وأقر له بحقه: أذعن واعترف؛ إذًا فالإقرار إثبات لما كان متزلزلًا بين الإقرار والجحود.

(الصحاح(2/ 788) ، لسان العرب (5/ 3582) ، أنيس الفقهاء ص (243 ) ) .

والإقرار اصطلاحًا: عرفه الشافعية بأنه: إخبار بحق على المقر. وعرفه الحنفية بأنه: إخبار بحق لآخر، لا إثبات له عليه. (حاشية الباجوري(2/ 2) ، درر الحكام (2/ 357 ) ) .

(4) قال أبو حنيفة: القتل العمد الموجب للقصاص: ما تعمد فيه ضرب المقتول بسلاح أو ما أُجْرِيَ مُجْرَى السلاح. (الهداية مع تكملة فتح القدير(10/ 204 ) ) .

أو هو: تعمد ضرب الآدمي بالحديد ـ سواء كان له حد: كالسيف، والسكين، أو طعن: كالرمح أو الإبرة في مقتل ـ أو بما كان كالحديد في تفريق الأجزاء: كالمحدد من الخشب، والحجر، والزجاج والليطة ـ قشر القصب ـ وكالنار، ومثل الحديد في ذلك غيره من المعادن: كالنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة. وقتل العمد عند الشافعية هو: قصد الفعل وعين الشخص بما يقتل غالبًا، جارح أو مثقل. فيتحقق بالآلة الجارحة، وبالمثقل الذي يقتل في الغالب. واستند هذا الرأي إلى قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًَا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} الإسراء: 33.

وأما إقرار العبد بالقتل العمد فقال الماوردي: المتعلق ببدنه فإقراره بقتل يوجب قودًا، أو زنىً يوجب حدًّا، أو قذفًا يوجب جلدًا، وذلك مقبول منه ومأخوذ به ولا اعتبار بتكذيب سيده، وقال المزني وزفر ومحمد بن الحسن وداود: إن إقراره بتكذيب السيد مردود؛ استدلالًا بأن بدنه ملك لسيده فكان إقراره في بدنه إقرارًا في ملك سيده، ولأنه متوهم في إقراره إضرارًا بسيده فكان مردودًا كإقراره بالمال، وهذا خطأ، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم:"من أتى من هذه القاذورات= =شيئًا فليستتر بستر الله؛ فإنه من يُبْدِ لنا صفحته نُقِمْ حد الله عليه"فكان على عمومه في كل مُبْدِ لصفحته من حر وعبد، ولأنه أقر بحق على بدنه؛ فوجب أن يلزمه إقراره كالصلاة والصيام، ولأن ما لا يقبل فيه إقرار السيد على العبد يقبل فيه إقرار العبد على السيد: كالردة طردًا، والمال عكسًا.

فأما الجواب عن استدلالهم بإقراره في ملك سيده فهو أن السيد لا يملك ذلك منه؛ ألا ترى أن إقراره فيما لا ينفذ ولو ملكه لنفذ إقراره فيه؟! وأما الجواب عن استدلالهم بالتهمة فهو أن التهمة منتفية عن العاقل أن يقتل نفسه إضرارًا بغيره. (الحاوي(8/ 303 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت