لنا: ما روى ابن عباس قال:"ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر؟ كان إذا زالت الشمس، وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال [1] ، وإذا سار قبل الزوال، أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر" [2] .
ولأنه سفر يجوز فيه القصر؛ فجاز فيه الجمع كسفر المُحْرِم [3] .
فإن قيل: ذاك لحق النسك؛ ولهذا يسن، وهاهنا لا يسن.
قيل: الفروض لا تُترك لغير عذر، والنُسك ليس بعذر؛ ولهذا لا يُفطر، ولا يَقصُر له، وإنما سُنَّ؛ لأن الجمع يجوز؛ فسن لفضيلة الدعاء؛ كما يترك الصوم للدعاء بعرفة [4] ، والجمع عندهم مُحرَم؛ فلا يجوز لفضيلة الدعاء؛ كترك صوم النذر لدعاء عرفة.
ولأنه عبادة بدنية لا يسافر لأدائها غالبًا؛ فكان للسفر تأثير في تأخير جِنسها؛ كالصوم.
ولأنه إذا أَثَرَ السفر في إسقاط الركعات المقصودة، فَلأَنْ يؤثر في الوقت وليس بمقصود أولى.
قالوا: رَوى ابن مسعود (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة إلا لوقتها، ما خلا عرفة، والمزدلفة) [5] .
(1) الزوال لغة: الحركة والذهاب والاستحالة والاضمحلال. يقال: زال الشيء عن مكانه، وأزاله غيره.
والزوائل: النجوم؛ لزوالها من المشرق. والزوال: زوال الشمس، وزوال الظل.
(لسان العرب(3/ 1891) ، المجموع (3/ 24 ) ) .
(2) أخرجه أحمد (1/ 367ـ368) ، البيهقي (3/ 163) كتاب: الصلاة، باب: الجمع بين الصلاتين في السفر، الدارقطني (1/ 338ـ389) .
وذكره الحافظ في تلخيص الحبير (2/ 48) ، وقال: رواه أحمد، والدارقطني، والبيهقي من طريق حسين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحسين ضعيف، واختُلف فيه، وجمع الدارقطني في سننه بين وجوه الاختلاف فيه، إلا أن علته ضعف حسين، ويقال: إن الترمذي حسنه، وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده.
(3) المحرم: من تلبس بالحج أو العمرة، وسمي بذلك؛ لأنه يحرِّم علىيه الشرع النكاح والطيب وأشياء من اللباس.
(المطلع، ص(167 ) ) .
(4) يندب صوم يوم عرفة وهو تاسع ذي الحجة لغير من هو بعرفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:"صيام يوم عرفة أحتسب على الله أنه يُكَفِر السنة التي قَبّلَه والسنة التي بَعدَه".
وأما الحاج الحاضر بعرفة: فقال الشافعي في المختصر والأصحاب: يستحب له فطره؛ لما رَوَتَ أم الفضل بنت الحارث: (أن أناسًا اختلفوا عندها في يوم عرفة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح من لبن وهو واقف على بعيره فشرب) .
ولأن الدعاء في هذا اليوم يعظم ثوابه، والصوم يضعفه؛ فكان الفطر أفضل (المجموع(6/ 428 ) ) .
(5) أخرجه النسائي (5/ 254) كتاب: المناسك، باب: الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، من طريق شعبة عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبدالرحمن بن يزيد عن عبد الله قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي الصلاة لوقتها، إلا بِجمْعٍ وعرفات". وقد ورد الحديث بلفظ آخر، البخاري (3/ 530) كتاب: الحج، باب: متى يصلى الفجر بجمع، حديث (1682) ، مسلم (2/ 938) كتاب: الحج، باب: التغليس بصلاة الصبح يوم النحر، الحديث (1289) ، من طريق الأعمش، ولفظه:"ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر قبل ميقاتها، وفي لفظ:"وصلى الصبح قبل ميقاتها"."