صح لي الثلاث ما زدت عليها [1] .
جرأته في الحق:
لم يكن الشيخ أبو إسحاق ممن يهابون صولة السلطان ويشفقون على أنفسهم من سطوة أولي الأمر، بل كان جريئًا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يلتفت إلى ذي نفوذ، ولا يمنعه صولة صاحب السلطان، بل يقول الحق غير وَجِل ولا هيّاب من عاقبة صدقه ومغبّة صراحته، وكان الحكام يهابونه ويعتبرون رأيه وينصاعون لأمره.
وقد حُكي عن الشيخ أن كثيرًا من أهل العلم نعتوا الوزير نظام الملك بالعدل، وأسبغوا عليه صفات الخير، وزعموا أنه من أهل الجنة، وذلك عندما استفتاهم عن نفسه.
بيد أن الوزير لم يعتبر بشهادات هؤلاء ولم تُرْضِهِ أقوالهم فيه، بل آنس منهم المجاملة التي تفرضها سطوة الوزارة وهيبتها، فعزم على أن يستفتي الشيخ أبا إسحاق الشيرازي؛ لما يعرفه عنه من الورع والصدق والجرأة في الحق.
فكتب إليه الشيخ يقول: الحسَنُ خير الظَّلَمة، وكان اسم نظام الملك: الحسن.
فلما قرأ نظام الملك ذلك، قال: صدق الشيخ، هذا هو الجواب. وأوصى أن يجعل ما كتبه الشيخ في كفنه بعد موته [2] .
صفاته الروحية:
قال الإمام تاج الدين السبكي:"قال ابن سمرة: قال القاضي طاهر بن يحيى: وكان مع الزهد المتين والورع الشديد طَلْق الوجه، دائم البِشْر، حسن المجالسة، مليح المجاورة، يحكي الحكايات الحسنة، والأشعار المليحة، ويحفظ منها كثيرًا، وربما أنشد على البديهة لنفسه؛ مثل قوله مرة لخادمه في المدرسة النظامية أبي طاهر ابن شيبان بن محمد الدمشقي [3] :"
وشيخنا الشيخ أبو طاهر ... جمالنا في السر والظاهر
ومنه قوله وهو ماشٍ في الوحْل يومًا، وقد أكثر الإنشاد من الأشعار فقال:
إنشادنا الأشعار في الوحل ... هذا لعمري غاية الجهل
قال تلميذه علي بن حسكويه [4] ، وكان معه: يا سيدي، بل هذا لعمري غاية الفضل [5] "."
(1) ينظر: سير أعلام النبلاء (18/ 456) .
(2) ينظر: مفتاح السعادة (2/ 319) وما بعدها.
(3) هو إبراهيم بن شيبان بن محمد أبو طاهر النفيلي، المدرس بنظامية بغداد، ولد سنة 444هـ، وتوفي سنة 529هـ. (لسان الميزان(1/ 68 ) ) . .
(4) هو علي بن حسكويه بن إبراهيم المراغي كان أديبًا وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي، وتوفي في محرم من سنة عشرة وخمس مائة. (لسان الميزان(4/ 212 ) ) .
(5) ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (4/ 223) .