فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 511

وعلى الجملة: فقد امتاز الشيخ أبو إسحاق بالحلم والهدوء، لا تراه العين مُقطِّبًا ولا متجهمًا، بل تجده دائمًا طلق الوجه متهلل الأسارير، يفيض بشرًا وتفاؤلًا، وكان إذا جالس تلاميذه أو أقرانه يتباسط معهم، ويدخل السرور على قلوبهم؛ فلا عجب أن حبَّبه ذلك إلى نفوس طلابه ومريديه، وجعله قريبًا منهم أثيرًا لديهم، يغشَوْن مجلسه لينهلوا من فيض علمه، ويقبسون من روحه الحلوة، ويأنسون إلى كلامه العذب.

والحق أن هذه الأخلاق العالية والآداب الرفيعة التي امتاز بها أبو إسحاق الشيرازي كانت أثرًا من آثار علمه، وثمرة من ثمراته؛ إذ كان يرى ـ رحمه الله ـ ضرورة أن يعمل العالم بما علم، فقال:"العلم الذي لا ينتفع به صاحبه أن يكون الرجل عالمًا ولا يكون عاملًا".

وكان يقول أيضًا:

علمتَ ما حلَّلَ المولى وحرَّمَهُ ... فاعملْ بعلمك إن العلم بالعمل

وقال أيضًا: الجاهل بالعلم يقتدى، فإذا كان العالم لا يعمل بعلمه، فالجاهل ما يرجوه من نفسه، فلله يا أولادي نعوذ بالله من علم يكون حجة علينا [1] !.

شعره:

كان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ذا عناية بالشعر ومعرفة بأوزانه وقوافيه، وكان يحفظ منه الكثير، ينشده في مجالسه ويسوقه في الاستشهاد لرأيه والاستدلال عليه، كما كان يلقى بعضه في الوعظ أو الإرشاد؛ ترقيقًا للقلوب وتهذيبًا للنفوس والضمائر.

وقد نَظَم الشيخ الشيرازي شعرًا عذبًا يمتاز بحلاوة اللفظ، وحسن السبك، وجودة المعنى، وشعره المأثور عنه في كتب الطبقات والتراجم دالٌّ على موهبة متدفقة، ونفس وثَّابة دقيقة الحس والشعور.

قال الإمام تاج الدين السبكي:"وله أدب أعذب من الزلال [2] مازجته المدام [3] ، وأزهر من الروض بَاكَرَهُ ماء الغمام، وأبهى من المنثور هذا مع أنه لا يتلون، وأزهى من صفحات الخدود وإن كان آس العذار على جوانب وَرَدِهِ تكوَّن، ولو سمعه ديك الجن [4] لصاح كأنه مصروع، ولو تأمل مقاطيعه ابن قلاقس [5] "

(1) ينظر: سير أعلام النبلاء (18/ 457) .

(2) الزلال: الماء العذب الصافي البارد السلس.

(المعجم الوسيط(1/ 398 ) ) .

(3) المُدامُ: المطر الدائم، والمُدامُ والمُدامَةُ: الخمر، سمّيت مُدامَةَ لأَنه ليس شيء تُتطاع إِدامَهُ به إِلا هي.

(لسان العرب(12/ 214) ، مختار الصحاح (1/ 90 ) ) .

(4) هو كبير الشعراء أبو محمد عبدالسلام بن رغبان بن عبدالسلام بن حبيب الكلبي.

(سير أعلام النبلاء(11/ 163) .

(5) هو الشاعر المجيد البليغ أبو الفتوح نصر الله بن عبدالله بن مخلوف اللخمي الإسكندري يلقب بالقاضي الأعز وديوانه مشهور، مات شابًا في سنة (567هـ) . (سير أعلام النبلاء(20/ 546 ) ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت