وبالجملة فالعبادة المذكورة في قوله: {إياك نعبد} هي السجود والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة والنذور، والحلف والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس خضوعًا وتعبدًا، والدعاء كل ذلك محض حق لله تعالى، وفي مسند الإمام أحمد (أن رجلًا أتي به للنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أذنب ذنبًا، فلما وقف بين يديه قال اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال - صلى الله عليه وسلم:(( عرف الحق لأهله ) )) وخرجه الحاكم من حديث الحسن عن الأسود بن سَريع وقال حديث صحيح.
(1) تقدم أن العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة وتقدم أن ركني العبادة الحب مع الذل والخضوع.
وعبادة الرحمن غايةُ حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائرٌ ... ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان
(2) وهذا على وجه التمثيل لا على وجه الحصر، فإن الركوع للمخلوق بمنزله السجود، فلو أن مخلوقًا ركع لمخلوق تعظيمًا له كما لو سجد له، لا فرق بين هذا ولا هذا، وكذلك الذبح لو ذبح للجن متقرب إليهم كأن يجلبوا له النفع أو يدفعوا عنه الضر لكان هذا مشركًا كما لو سجد للأوثان وللأصنام. فنفهم من هذا أن المؤلف ما قصد الحصر.
(3) هذا الحديث رواه الإمام أحمد والحاكم من طريق محمد بن مصعب قال حدثنا سَلاَّم بن مسكين والمبارك بن فضالة عن الحسن البصري عن الأسود بن سريع (( صحابي جليل ) ).
محمد بن مصعب الراوي عن ابن مسكين المبارك هو القُرقُساني قال عنه الإمام أحمد لا بأس به، وقال ابن معين ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف وقال ابن خراش: منكر الحديث هذه العلة الأولى.
العلة الثانية: قال على بن المديني وابن منده والبزار لم يسمع الحسن البصري من الأسود بن سريع، ولكن جاء في التاريخ الكبير للبخاري ما يدل على سماع الحسن من الأسود في الجملة. ولهذا أثبت بعض أهل العلم سماعه وهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة التوبة إلى الله جل وعلا وإلى أحد من المخلوقين.
وقد تقدم أن طوائف من الصوفية يحلقون روؤسهم عند مشايخهم وعظمائهم وزعمائهم توبة بين أيديهم توبة لهم وهذا من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة.