فهرس الكتاب
(1) وهؤلاء يقولون ليس في الكون معصية ألبته إذ الفاعل مطيعٌ للإرادة موافق للمراد، وقد قال أحدهم (( إن كنت قد عصيت أمره فقد أطعت إرادته، ومطيع الإرادة غير ملوم ) )وهو في الحقيقة غير مذموم.
وقد زعم أهل هذا المذهب بأن الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحدة، فمحبته هي نفس مشيئته، وعليه فكل ما في الكون فقد أراده وشاءه، وكل ما شاءه فقد أحبه، ولذلك هؤلاء يحبون ما يبغضه الله ويبغضه رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا المذهب مردود بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة رضوان الله عليهم والعقل الصحيح يستبين فساد هذا المذهب لأننا نعلم أن الله جل وعلا أراد كفر إبليس ولم يحبَّه، فجعل المحبة مرادفه وملازمة للمشيئة هذا من أعظم أنواع الضلال والانحراف، والمشيئة نوعان والله جل وعلا لا يحب إلا ما أمر به وشرع لعباده ويحب أن ينتهي العباد عما نهاهم عنه، فجعل الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه واحدة هذا كفر بالله جل وعلا لأن هذا يقتضي أن يحب الله جل وعلا الكفر والضلال وهذا يقتضي التسوية بين الحق وبين الباطل ويقتضي التسوية بين التوحيد وبين الشرك.
(2) وهؤلاء هم الجبرية فهؤلاء يزعمون أن القيام بهذه الأمور ليس إلا لمجرد الأمر من غير أن يكون هذا سببًا لسعادةٍ في معاش ولا معاد لأنهم لا يفرقون بين الخلق ولا بين الأمر ولا فرق عندهم في نفس الأمر بين المأمور والمحظور.
وهؤلاء يؤدون الأوامر وهم يعتقدون أنها ليست بسبب للنجاة من النار إنما القيام بها لمجرد الأمر ومحض المشيئة، وحين نعرف أصول هذا المذهب لا نستغرب صدور مثل هذه الأقوال من جماعات منهم وهم يتناقضون في تقرير هذه الأصول وتتباين آراءهم وتختلف عقولهم ويورد كل واحد منهم على الآخر ما ينقض أصله، أقوال يلعن بعضها بعضًا، وأقوال يفسق بعضها بعضا ويضلل بعضها الآخر.
ونحن نعلم من دين الإسلام بالضرورة أن كل قول يخالف كتاب الله ويخالف سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بل يخالف ما جاءت الرسل فإنه يُعلم فساده بالسمع والعقل، فإن الفطرة تتجاوب مع ما جاء به الشرع وتستنكر ما نهى عنه الشرع وحين نتحدث عن التوحيد نقول عنه بأن الفطرة تتجاوب معه ولا يمنع من هذا أن يكون الشرع قد جاء به والقرآن كله من أوله إلى آخره يقرر التوحيد ويبين فضله وجزاء أهله، والفطر