فهرس الكتاب
والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بُعثوا بالإحسان إلى الخلق، وهدايتهم، ونفعهم في معاشهم ومعادهم، لم يبعثوا بالخلوات والانقطاع، ولهذا أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أولئك النفر الذين همّوا بالإنقطاع والتعبد وترك مخالطة الناس. ورأى هؤلاء أن التفرغ لنفع الخلق أفضل من الجمعية على الله بدون ذلك
(1) يريد بهذا الكلام أن يذكر حُجج أصحاب الصنف الثالث الذين يفضلون النفع المتعدي على النفع القاصر.
قوله: (( والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بُعثوا بالإحسان إلى الخلق ) )وهذا لا خلاف فيه، وقد تقدم قول خديجة رضي الله عنها حين قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم: (كلا والله ما يخزيك الله أبد إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق) متفق على صحته.
(2) قال تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراطٍ مستقيم} أي بدعوتهم وتوجيههم وتوعيتهم وبذل النصح لهم، وفي حديث تميم بن أوس الداري - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة، قلنا لمن، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم في صحيحه.
(3) وهذا صريح الكتاب وصريح الأحاديث، فالأنبياء يبذلون جهدهم في نفع الناس وجلب ما يصلحهم في معاشهم ومعادهم.
(4) أي لم يكن هذا هو هُجَيرَهم ولم يكن هذا هو سبيلهم ولا دعوتهم.
(5) وهذا الخبر جاء في الصحيحين، رواه البخاري من طريق محمد بن جعفر قال أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال جاء ثلاثة رهطٍ إلى بُيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجدوه فسألوا عن عبادته فأخبروا فكأنهم تقالوها، فقالوا: أيُنا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء، وقال أحدهم: أما أنا فأقوم ولا أنام، وحين أُخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بخبر هؤلاء ذهب إليهم في أماكنهم وقال: (( أنتم الذين قلتم كذا وكذا قالوا: نعم،قال: أما أنا فأتزوج النساء،وأصوم وأفطر، وأنام وأقوم، ومن رغب عن سنتي فليس مني ) ).
وهذا الخبر رواه مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمه عن ثابت البناني عن أنس - رضي الله عنه - وفيه: (( قال بعضهم: أنا لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: أنا لا آكل اللحم، وقال بعضهم لا أنام على فراش ) ).
وهذا دليل إنما أتى به المؤلف رحمه الله تعالى ليبين أن الانقطاع عن الخلق والتعبد وإيثار الخلوات ليس محمودًا، فإن هؤلاء حين اعتاضوا عن المباحات وعن الطيبات في الخلوات أنكر عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولكن قد يقال بأن