فهرس الكتاب
(1) الصنف الثالث وهو ما قبل الأخير وهم الذين زعموا أن فائدة العبادة رياضة النفوس تقدم أن العبادة المأمور بها هي التي تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وأن العبادة لا تسمى عبادة إلا بتوفر شروطها وأركانها.
والعبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
ولابد أن يتوفر في العبادة أصلان، الأصل الأول: الإخلاص لله جل وعلا. الأصل الثاني: متابعة السنة، وبدون هذين الأمرين أو أحدهما لا يقبل العمل، والعبادة المأمور بها هي التي تضمنت معنى الذل ومعنى الحب، حيث يؤدي العبادة محبةً لله جل وعلا وذلًا وانكسارًا بين يديه، قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وعبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر ... ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطان
فإن العبد قد يحب شخصًا ولا يكون ذليلًا له، وقد يكون ذليلًا له ولا يحبه فلا يجتمع هذان الأمران إلا في عبادة الله وإفراده بالتوحيد، فإذا صُرف الذل والمحبة لغير الله أصبح العبد مشركًا موحدًا للمخلوق دون رب العالمين.
فيه طوائف من أهل البدع من الصوفية وغيرهم يزعمون أن فائدة العبادة هي رياضة النفوس فيؤدون العبادة لهذا المعنى ويقومون بها بحثًا عن رياضة النفوس واستعدادًا لفيض العلوم والمعارف عليها، وهذه العبادة على هذا الوجه غير مقبولة فهؤلاء يتصورون أنهم إذا أدوا الحركات والسكنات وأدوا العبادة بهذا المعنى وبهذا الاعتبار أنهم قد قاموا بالمطلوب وحصل للنفس الرياضة المرجوة في نظرهم واستعدت حينئذٍ لفيض العلوم والمعارف عليها حيث يحصل له من انشراح الصدر والفهم والفيض ما لا يحصل بغير ذلك.