فهرس الكتاب
(1) وهذا واضح أي لا ترابط بين القولين، لا يلزم أنه إذا أشرك في هذا أشرك في هذا، ينفرد أحدهما عن الآخر، فإن كفار قريش كانوا مقرين في الجملة بتوحيد الربوبية، وإذا وُجد شرك في توحيد الربوبية فهو يسير في جانب ما آمنوا به ولكنهم كانوا مشركين بتوحيد الإلهية، ولهذا حين بُعث إليهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - ما دعاهم إلى توحيد الربوبية دعاهم إلى توحيد الإلهية وحين يذعنون لتوحيد الإلهية فإنه يقتضي هذا الإيمان بتوحيد الربوبية.
(2) وهذا واضح: فإن القرآن كله من أوله إلى آخره يقرر التوحيد ويبين شرك المشركين ويبين فساد عقولهم وانحراف مناهجهم، بل الكتب كلها المنزلة من عند الله جل وعلا تقرر هذا الأصل، وتُّبَيِّنه لأن الله جل وعلا يقول: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي منذ خلق البرية، كيف يخلقهم لعبادته ولا يوضِّح لهم هذا المقصد الأكبر؟!
هذا محال، ولا يمكن أن يقع؟!
فإن الله جل وعلا حين خلقهم لغاية وهي العبادة أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب يوضحون لهم هذا المقام حتى لا يحتجوا فيما بعد، أنه لم يأتيهم رسل، ولكن هذا دليل على فساد عقولهم، قال تعالى: {وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير} .
(3) تقدم أن طائفة من العلماء قالوا: بأن الله جل وعلا جمع علم الأولين - أي في الاعتقاد -والآخرين في القرآن، وجمع الله علم القرآن في فاتحه الكتاب، وجمع الله جل وعلا علم فاتحة الكتاب في قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، {إياك نعبد} لماذا قدم المعمول على العامل؟ الجواب: لإفادة الحصر، أي فلا تعبد إلا الله لكن ينبغي لنا أن نفهم العبادة، تقدم توضيحها وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
الذين يقول: {إياك نعبد} في كل صلاة وهو يذبح لغير الله أو ينذر لغير الله إما إنه لم يفهم حقيقة العبادة وإلا أنه مستكبر عن العبادة ومعارض لما جاءت به الرسل أو أنه جاهل.
فـ {إياك نعبد} تقتضي أن الإنسان يفرد الله بالعبادة لا يعبد معه إلهًا آخر، ويتوجه إلى الله جل وعلا بأفعاله وأقواله وإراداته.
فإن بعض الناس يوحد الله بالأفعال لكن يشرك في الأقوال، وطائفة توحد الله في الأفعال والأقوال وتشرك في الإرادات.