فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 381

وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه فمن نوى بعمله غير وجه الله تعالى فلم يقم بحقيقة قوله{إياك نعبد}.

(1) النيات: جمع نية، تطلق على القصد وعلى عزم القلب على أمر من الأمور، فإن كانت لغير الله فهذا شرك ينافي الإخلاص الذي هو تجريد القصد طاعةً للمعبود بحق.

(2) وذلك لحب كثير من النفوس على حب الظهور، والتصنُّع للناس والتحلي بما ليس فيهما، والتطلع إلى ثناء الناس وتعظيمهم له، فإن النفوس متى ما تطلَّعت لمثَل هذه الأغراض الدنيئة اكتسبت الرياء، وحاولت صرف الناس إلى هذه الذات الضعيفة ولو عن طريق التصنُّعِ لهم ومراءاتهم والعمل من أجلهم نسأل الله السلامة والعافية.

(3) لأن تحقيق العبادة يمنع من الرياء، كما أن تحقيق الاستعانة يمنع من الإعجاب، ولاسيما إذا علم العبد أن مصير الرياء إلى النار أكسبه ذلك نُفْرَةً عن الرياء وبعدًا عنه، وقد جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى من طريق ابن جريح قال حدثني يونس بن يوسف عن سليمان بن يسار قال تفرق الناس عن أبي هريرة - رضي الله عنه - فقال له نافلوا له أهل الشام أيها الشيخ حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو هريرة - رضي الله عنه - نعم، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه، رجل استشهد فأُتي به، ـ أي قُتل في سبيل الله في الظاهر ـ فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت قال: قاتلت فيك حتى استشهدت قال الله له: كذبت ولكنك قاتلت لئن يقال جريء فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار ... ) ) . الحديث بطوله وفيه الرجل الذي تعلم العلم وقرأ القرآن ليقال هو قارئ فألقى في النار والثالث الرجل الذي أعطاه الله من أصناف المال فأنفقها لَيَقَال هو جواد فألقى في النار.

ففي هذا دليل على أن الرياء حابط، وأن عمل المُرائي غير مقبول. ويضاف إلى ذلك العقاب فإنه يعاقب على ذلك لأن هؤلاء الثلاثة عُقِبوا على هذه الأعمال.

ويمكن أن نقول: بأن العمل لغير الله له حالات:

الحالة الأولى: أن تكون أعماله مرادًا بها مُرَاءة المخلوقين فهذا شرك، ولا يصدر هذا من مسلم أصلًا حيث لا يعمل لله إنما يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتصدق ويقرأ؟! من أجل الناس هذا لا يصدر من مسلم.

الحالة الثانية: أن يعمل لله ثم يعرض له الرياء في أثناء العمل فإن دفعه فلا إشكال في هذا، وإن استرسل معه فقد قال جماعة: يكون حكمه كحكم قطع النية في أثناء الصلاة، فإن كانت العبادة لا يصح آخرها إلا بصحة أولها لزم حينئذٍ الإعادة وإلا فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت