فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 381

(1) فهم يرون وجوب العبادة وشرعيتها لكن لا يُؤدونها محبةً لله وذللًا ولا طلبًا لثوابه وهربًا عن عقابه ولا يعبدون الله جل وعلا بالمحبة والخوف والرجاء، يعبدون الله جل وعلا ليتأتى لهم هذا الأمر وتحصل لهم رياضة النفوس واستعدادها لفيض العلوم والمعارف عليها وخروج قواها من قوى النفس السَبُعية البهيمية، فهذه السَبُعية والبهيمية لا تؤدي الأوامر ونحن نؤدي الأوامر لئلا تلتحق نفوسنا بنفوس السباع والبهائم، فهذا زعمهم.

(2) فإن العقل المفكر هذا الذي يؤدي هذه العبادة غير أن هذا العقل ناقص فلو كان في هذا العقل كمال وتوقد ذهن وقابلية لما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب لأرشدهم إلى الصواب وأرشدهم إلى معنى قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} . وما من عبد يخرج عن الحق إلا لهوى في النفوس أو نقص في العقول أو الإعراض عما جاءت به الرسل والهوى يتمثل بالأطماع الدنيوية وبالتقليد ونحو ذلك.

(3) وهذا لا يتأتى لهم من وجوه: الوجه الأول: أن المعارف لا تحصل إلا بطاعة الله جل وعلا وامتثال أمره. الوجه الثاني: أن انشراح الصدور واتساعها لا تكون بالابتداع والخروج عن الحق، قال تعالى: {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} .

الوجه الثالث: أن من لم يؤدي العبادة محبة لله وذلًا بين يديه فلا يحصل له انشراح الصدر، وإن وجد شيء من ذلك فهو نسبي سرعان ما يذهب ويضمحل وينقلب همًا وغمًا.

أبى الله جل وعلا إلا أن يذل من عصاه وخالف أمره وهؤلاء قد أضلتهم الشياطين واحتوشتهم أسباب الشقاوة، قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين} .

وشابه هؤلاء قومٌ في عصرنا يقولون بأن الصلاة رياضة وليست بعبادة، الصلاة بهذا الاعتبار هي رياضة، ولكن لا نؤديها من أجل الرياضة، نؤديها عبادة لله امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه ومحبة لله وخوفًا ورجاء ولا يصح تسمية الصلاة عبادة إلا حين تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، والناس يتفاوتون في هذا كتفاوتهم في خلقهم وأشكالهم وألوانهم وطبائعهم، وقد يجد لذة الإيمان وقد لا يجد ذلك.

وكلما قوي إيمانه وقوي توحيده كلما وجد هذه اللذة، وكلما رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا كلما وجد هذه السعادة ووجد لذة العبادة وحلاوة الإيمان والسعادة تُنال، بأسباب بالتوحيد الذي ضده الشرك وبالسنة ضدها البدعة وبالطاعة التي ضدها المعصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت