فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 381

كما قالوا في الخلق: لم يخلق لغاية(1)، ولا لعلة هي المقصودة به(2)، ولا لحكمه تعود إليه منه(3)، وليس في المخلوقات أسباب تكون مقتضيات لمسبباتها، وليس في النار سبب للإحراق(4)، ولا في الماء قوة الإغراق ولا التبريد.

(1) هذه الأمور مكابرة للمعقولات، فقولهم بأن الله لم يخلق لغاية هذا مردود بنص القرآن، قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} ، فالغاية من خلق الجن والإنس هي العبادة، والعبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، والعبادة لا تسمى عبادة إلا بأمرين: الإخلاص والمتابعة، ومن وجه آخر لا تسمى عبادة إلا إذا توفر فيها أصلان الحب والذل.

وعبادة الرحمن غايةُ حبه ... مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادةِ دائرً ... مادار حتى قامت القطبان

ومدارهُ بالأمر أُمر رسوله ... لا بالهوى والنفس والشيطانِ

(2) وهذا باطل أيضًا وبطلانه يعلم بالشرع والعقل، والمصيبة أن هؤلاء يجعلون جهلهم حجة على علم غيرهم يكابرون في المعقولات والمحسوسات قال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} قال غير واحد من المفسرين: أي لا يؤمر ولا ينهى.

(3) وهذا باطل أيضًا فإن الله جل وعلا خلق لغاية ولعلة مقصوده وخلق لحكمه قد نعلمها وقد نجهلها فإن المخلوقات كثيرة جدًا.

نحن نعلم أن الله خلق الإنس والجن لعبادته، وقد خلق الله جل وعلا الحيوانات وخلق الطيور على اختلاف أشكالها واختلاف مسمياتها وهي تُقَدَّر بالآلاف وما خلق ربنا جل وعلا هذا عبثا، ولا خلق ذلك سدى، خلق الله جل وعلا هذه الدواب وهذه الطيور وهذه الحشرات وهذه المخلوقات العظيمة التي نعلم بعضها ونجهل كثيرًا منها في البر والبحر خلقها ورزقها وذلك لحكمه وغاية.

(4) وهذا باطل حيث يقولون ليس في النار سبب للإحراق وحكاية مثل هذا تغني عن رده لأن هذا مكابرة في المعقولات، ضع يدك في النار وانظر هل يحصل ألم لليد أم لا؟ وهل يحصل إحراق للورق حين تضعه في النار أم لا؟ فهذه مكابرة في المعقولات، وكثير من المتكلمين يكابرون في الأمور العقلية والمصيبة أنهم يزعمون أنهم أهل العقل وما عندهم من الحجج ما يستطيعون مجاراة أهل الحق به.

ما عندهم عند التناظر حجة ... أنى بها لمقلدٍ حيران

لا يفزعون إلى الدليل وإنما ... في العجز مفزعهم إلى السلطان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت