وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق، والأصناف التي قبلهم أهل التعبد المقيد، فمتى خرج أحدهم عن الفرع الذي تعلق به من العبادة وفارقه يرى نفسه كأنه قد نقص ونزل عن عبادته فهو يعبد الله تعالى على وجه واحد، وصاحب التعبد المطلق ليس له غرض في تعبدٍ بعينه يؤثره على غيره، بل غرضه تتبع مرضاه الله تعالى.
(1) لأن المخالطة في الخير والتوجيه والتوعية أفضل من العزلة لأن الناس بحاجة إلى من يُوَجِّههم ويعلمهم ويرشدهم فلو أن الأفاضل والعلماء وطلبة العلم والدعاة والمصلحين اعتزلوا الناس فمن للناس؟ من لتوجيهم؟ من لتعليمهم؟ فإيثار العزلة على المخالطة من كل وجه هذا غلط وإيثار المخالطة على العزلة من كل وجه هذا غلط فيه تفصيل خلطتهم في الخير أفضل من عزلتهم فيه وعزلتهم في الشر خير من خلطتهم فيه.
(2) قد تقدم شرح هذه الأصناف.
فالصنف الأول: الذين عندهم أنفع العبادات وأفضلها هي الأشق والأصعب.
الصنف الثاني: الذين يقولون بأن أفضل العبادات وأنفعها التجرد والزهد.
الصنف الثالث: الذين يرون أن أفضل العبادات ما كان فيه نفع متعدٍ.
الصنف الرابع: هو ما جاء في هذا التفصيل، وهذا التفصيل هو أصح ما قيل في المسألة، وهؤلاء هم أهل التعبد المطلق الذين يُؤدون العبادات على أكمل الوجوه وعلى حسب ما تقتضيه الحاجة وعلى حسب ما يقتضيه الشرع وتقتضيه الأدلة الثابتة الصحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله: (والأصناف التي قبلهم أهل التعبد المطلق) حيث يعبدون الله جل وعلا تعبدًا مطلقًا يعبدونه في هذا الباب دون غيره من الأبواب وحين ترتاح نفوسهم لباب ولوجه من الوجوه يفضلونه على غيره، قد تقدم الحديث عن ذلك.
(3) وهذا واضح من طريقتهم ومن تأمل هذا الباب رأى أن هذا هو واقع القوم وأن هذا هو الواقع فإن من رأى أن هذا الباب أنفع من غيره بحيث إذا فارقه رأى أنه قد نقص لأنه يفضل هذا الباب على الآخر بدون دليل وعلى حساب الأدلة الأخرى وهذا ضربٌ من الجهل.
(4) وحينئذٍ فلا يزال متنقلًا في منازل العبادة كلما رُفعت له منزلة عَمل على سيره إليها فيكثر من ذكر الله ومن الصلاة ومن العبادة وإذا جاء وقت بر الوالدين بر بوالديه، وإذا جاء وقت صلة الأرحام وَصِلَ أرحامه، وإذا جاء وقت الجهاد جاهد في سبيل الله جل وعلا مع أداء فروض الأعيان وأداء الواجبات الأخرى، إذا كان الوقت ليس فيه قتال أو فيه جهاد أشتغل بقراءة القرآن وفي الذكر وفي العبادة المطلقة