(1) وهذه مكابرة ومناقضة لما جاءت به الرسل ونزلت به الكتب، الله جل وعلا فرَّق بين الخلق وبين الأمر قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} وقال تعالى: {إنما أُمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون} ، وحينها لا يفرِّق هؤلاء بين الفعل والفاعل ولا بين الفعل والمفعول وفي نفس الأمر لا يفرقون بين المأمور والمحظور.
(2) والسبب في ذلك أن الأفعال في نظرهم لا تنقسم في نفسها إلى حسن وقبيح فهؤلاء لا يفرقون بين الحسن والقبيح ولذلك لا يفرقون بين الأمر والنهي فهل يستويان؟ العقل والسمع والفطر تتجاوب مع التفريق بين الأمر وبين النهي فلا يأمر الله جل وعلا بشيء إلا وفيه مصلحة ومصلحته تقضي على المفسدة، وإن وجد مفسدة فهي نزر يسير، ولا ينهي الله جل وعلا عن شيء إلا ومفسدته تفضي على مصلحته.
قد يكون في بعض الأوامر وفي بعض النواهي شيء من المصالح لكن لا يمكن مقارنة ما نهى الله عنه بما يستحسنونه ويفعلونه قال رافع بن خديج - رضي الله عنه - (( نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أمرٍ كان لنا نافعًا وطواعية الله ورسوله أنفع لنا ) )هذا الخبر رواه مسلم في صحيحه، في بعض الأوامر بل في كثير من الأوامر مصلحةٌ محققهٌ لا مفسدة فيها البتة من ذلك التوحيد، العدل وغير ذلك هذه مصالح لا مفسدةً فيها البتة، وفي بعض المنهيات مفسدة لا مصلحة فيها البتة كالشرك والظلم ونحو ذلك.
الخمر ماذا قال الله عنه؟ قال الله جل وعلا عنه: {يسألونك عن الخمر والميسرِ قُلْ فيهما أثمٌ كبير ومنافع للناس} لكن هذه المنافع هل هي دينية؟ لِلَّهِ كلا بل هي دنيوية باعتبار التكسب والتجارة وإلا فهو مفسدةٌ محضة، الخمر ما خامر العقل والخمر يفسد العقول، إذًا الأصل في هذا أن نقول ما أمر الله به فمصلحته راجحة على مفسدته، وما نهى الله عنه فمفسدته راجحة على مصلحته وإنْ خُيَّل لبعض الجهال والأغبياء أن المصلحة تقتضي فعل كذا وكذا فمعاذ الله أن يكون عقل آحاد الناس أصوب مما جاء به الكتاب وجاءت به الأدلة السمعية.
وقد تقدم أن هؤلاء يكابرون في المحسوسات التي لا يجهلها الأطفال.