فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 381

الصنف الثالث: رأوا أن أفضل العباداتِ ما كان فيه نفع متعدٍ، فرأوه أفضل من النفع القاصر، فرأوا خدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس وقضاء حوائجهم ومساعدتهم بالجاه والمال والنفع أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم - (الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله) . قالوا: وعمل العابد قاصر على نفسه وعمل النّفّاع متعدٍّ إلى الغير، فأين أحدهما من الآخر؟ ولهذا كان فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.

(1) النفع المتعدي في الجملة أفضل من النفع القاصر، وهؤلاء يعممون هذا الحكم.

(2) وهذا الخبر رواه أبو يعلى في مسنده والبزار وغيرهما من طريق يوسف بن عطية قال حدثنا ثابت عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًا ويوسف بن عطية متروك الحديث وقد حكي الاتفاق على ضعف هذا الخبر، وهذا الصواب، فإنه لا خلاف بين أهل الحديث في نكارة هذا الخبر.

ولكن لا ريب أن النفع المعتدي أمره عظيم وشأنه كبير، وقد قالت خديجة رضي الله عنها للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين أخبرها عن الوحي وما لقي وقال: (لقد خشيت على نفسي) قالت: خديجة رضي الله عنها: (كلا والله ما يخزيك الله أبدًا) والسبب أن الله لا يخزيه أبد عللت فقال: (( إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقرئ الضيف وتعين على نوائب الحق ) )وهذا متفق على صحته.

(3) وهذا التعميم فيه نظر، فإن بعض العبادات التي يقتصر فيها المرء على نفسه أفضل من العبادات المتعدية، وهؤلاء عمموا القول بأن النفع المتعدي أفضل مطلقًا من النفع القاصر، ولم يراعوا بعض العبادات التي يقتصر فيها المرء على نفسه كالصيام والصلاة وغير ذلك، فإنها أفضل بكثير من بعض النفع المتعدي ولاسيما أن بعض هذه الأمور أركان.

(4) وذلك لأن النفع متعدٍ، ونفع العالم متعدي إلى الآخرين فكان فضله على العابد الذي نفعه قاصر كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب.

وهذا جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما من طريق عاصم بن رجاء بن حيوه عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء وهذا إسنادٌ ضعيف وفيه اختلاف.

ولكن لا ريب أن العالم أفضل من العابد، وهذا ليس لكل عالم، إنما هو للعالم العامل الذي جمع مع العلم العبادة.

فأضاف على عبادة العابد شيئًا آخر وهو العلم العلم بالله؟ العلم بأسمائه وصفاته والعلم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعلم إذا لم بصاحبه خشية في القلب تدفعه إلى قول الحق، تدفعه إلى نفع الآخرين فهذا ليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت