فهرس الكتاب
(1) وهؤلاء قد يحتجون بأحاديث فقد جاء في البخاري قال حدثنا علي بن المديني قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطوفاوي عن سليمان الأعمش قال حدثني مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ بمنكبي وقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: (( إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك ) ).
وجاء في البخاري أيضًا من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو كان لي مثلُ أحدٍ ذهبًا ما يسرني أن لا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لِدَين) .
أَرْصُدُه: بفتح الهمزة وسكون الراء.
فهؤلاء يحتجون ببعض النصوص العامة على الزهد في الدنيا والتقلل منها ويدعون ما وراء ذلك، وهذا ضرب آخر من ضروب الانحراف.
وكثيرًا ما أقرر لكم ما هي الأسباب التي أدت بالخوارج إلى الانحراف، وهي الأسباب التي أدت بالمرجئة إلى الانحراف، وما هي الأسباب التي أدت بالمعتزلة إلى الانحراف وما هي الأسباب التي أدت بالأشاعرة إلى الانحراف وبالجملة ما هي أسباب الانحراف في كل طائفة، أطلقت على هذا في مواضع متعددة، وتحدثت عن ذلك في شرح صحيح البخاري وغيره.
وملخص ذلك أن بعض الطوائف وبعض الأفراد، وحتى بعض المنسوبين إلى السنة يتناول بعض الأحاديث ويدع ماعدا ذلك، فيرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مجموعة من الأحاديث فيتناول حديثين أو ثلاثة ويهجر البقية فيتناول الشرع من حيز واحد ولا يحاول الجمع بين هذا وذاك ليصل إلى نتيجة إيجابية، وهذا ضرب من الانحراف.
وهذا الانحراف قد يقع فيه بعض المنسوبين إلى السنة كما وقع فيه جماعات من أصحاب المذاهب الأخرى، وحين نضع هذه القاعدة في الميزان فإننا نستطيع أن نضرب مثلًا في ذلك.
في قضية كشف المرأة لوجهها وفي قضية صلاة الجماعة وغير ذلك، وإن كان لا يمكن مقارنة هذه المسائل بقضايا التصوف والمعتزلة والأشاعرة ونحو ذلك، لكن لبيان التطبيق العملي والفهم الصحيح للنصوص يأتي بعض الناس فيأخذ بقوله - صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) وهذا حديث متفق على صحته. وفي رواية (بخمس وعشرين درجة) وقد جاء الخبر من حديث ابن عمر ومن حديث أبي هريرة ومن حديث جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم -.