فهرس الكتاب
(1) وذلك كالقدرية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلق الله وتقديره وهؤلاء نفاة القدر شر القدرية. وفيهم من نفى تقدير الشر دون الخير فقالوا عن الخير بأنه من الله وعن الشر بأنه من العبد.
وهذا نفيٌ لأَنَ يكون الله هو المتفرد بالتصرف والخلق.
وقد تقدم أن هذا المذهب الخبيث راجعٌ إلى مذهب المجوس القائلين بوجود خالقين، خالق للخير وخالق للشر.
والقدرية منهم من يقول بأن العبد يخلق فعل نفسه، ومنهم من يقول بأن: الخير من الله والشر ليس منه، ومن قال ذلك فقد ظن بالله ظن السوء ولا قدر الله حق قدره، وهم يقرءون القرآن، ويقرءون قول الله جل وعلا: {ما قدر الله حق قدره إن الله لقويٌ عزيز} ويقرءون قول الله جل وعلا: {وما قدر الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة} ولكن هذا أمرٌ نظري ولا يطبقونه عمليًا في واقعهم، وفي عقائدهم وفي أعمالهم وفي سلوكهم، وقد يعتقدون أنهم على الحق وأنهم على الصواب.
فلا تظن أن أهل البدع والضلال لا يستدلون بأدلة، ومن ظن ذلك فقد أخطأ.
فما من صاحب بدعة ولا صاحب باطل إلا وله منزع من دليل، وهذا المنزع قد يكون ناتجًا عن شبهه، وقد يكون ناتجًا عن هوى، وقد يكون ناتجًا عن أشياء أخرى.
فحين جاءت الرسل بالدلالات والبينات والحجج والواضحة التي يؤمن على مثلها البشر، انتدب لمعارضتهم بعض أغبياء العالم وفرحوا بما عندهم من العلم، كما أخبر الله جل وعلا بذلك عنهم فهؤلاء يستدلون بأدلة ولهم شبه، وكما قال جل وعلا: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} .
ما يأتي صاحب بدعة ببدعة إلا في القرآن ما يبطلها ويبيِّن عوارها، المقصود التنبيه على أن صاحب الباطل قد يأتي بدليل، وحينئذٍ لا يتصور المرء أنه على الحق، أو أنَّ لقوله حظًا من النظر.
فهذه أقوال فاسدة دل الشرع والعقل على فسادها. وهذا يقتضي نفي قدرة الله جل وعلا فإذا كان الخير مخلوقًا لله والشر غير مخلوق يقتضي نفي قدرة الله على ذلك، وهذا يقتضي أيضًا إيجاد خالق مع الله إذا كان الشر غير مخلوق لله والعبد يخلق فعل نفسه فهذا يقتضي إيجاد خالق مع الله كما تزعمه الثانوية والمجوس حيث يثبتون خالقين خالقًا للنور وخالقًا للظلمة.
وليس هناك طائفة من الطوائف ولا فرد من الأفراد يقول بأن خالق الظلمة مساوي لخالق النور، بل يفضِّلون خالق النور ويقدمونه وهم مشركون في هذا حيث جعلوا مع الله خالقًا آخر.