(1) السخط: أي الغضب وهذا الكلام مُجْمَل ويحتاج إلى شرح وتقيد.
فإن السخط على الخلق منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، ومنه ما هو مباح والمحمود منه المستحب ومنه الواجب، والمذموم منه المكروه ومنه المحرم. ومن أراد فهم هذا فلينظر في سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يتعامل مع الخلق فكان يغضب في موطن الغضب ويدع ذلك حين لا حاجة إليه، والغضب والسخط على الخلق في غير موطنه لا يُخرج عن التوحيد على الإطلاق كما عمم العبارة المؤلف.
فمن الغضب والسخط على الخلق ما ينافي التوحيد بالكلية، ومن السخط على الخلق ما ينافي كماله الواجب منه ما ينافي كماله المستحب، والمؤلف رحمه الله جعل السخط على الخلق من المخرجات عن هذا التوحيد دون تفصيل وكان الأولى بمثله أن يفصل ولا يعمم وأن يقيد ولا يُطلق ولا سيما في هذه المقامات الكبيرة، مقامات التحدث عن توحيد الإلهية وعن نواقض هذا التوحيد، فإن بعض الناس يتقيد بظواهر كلام العلماء ويجعل من التوحيد ما ليس توحيدًا، ومن النواقض ما ليس ناقضًا وإذا ثبت أنه من النواقض. ففيه تفصيل لا يمكن الأخذ بالإطلاق ولا الأخذ بالعموم، فإذا قيل السخط على الخلق من المخرجات عن هذا التوحيد، كانت هذه العبارة في الجملة محل نظر. لأننا نعلم أن بعض السخط على الخلق هو من التوحيد وليس من مخرجاته، والمؤلف رحمه الله ما أشار إلى نوعِيَّه هذا السخط، فلهذا أقول:
النوع الأول: أن يسخط على الخلق كلهم بما في ذلك الأنبياء والمرسلون وهذا ليس بمؤمن أيًا كانت دوافعه وأهدافه ونيته.
النوع الثاني: أن يسخط على الخلق حيث لم يقوموا بخدمته ولم يقوموا على رعايته فهذا لا يليق بالمؤمن وإن كان له حق ينبغي القيام به لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا فإذا سخط عليهم وهو في غنى عنهم عن عدم القيام بخدمته، هذا من الخطأ ولكن ليس من نواقض التوحيد.
النوع الثالث: أن يسخط على الخلق حيث تنتشر البدع والمنكرات والجهالات ولا منكر لها، فهذا السخط من مقامات التوحيد، حيث يغضب لما يغضب الله ويسخط لما يسخط الله، فالمؤمن الذي يرضى بما يرضاه الله ويرضاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويسخط بما يسخط الله ويسخط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهناك أمور مباحة من أنواع السخط كأن يسخط على شريكه أو على ابنه حيث لم يؤدي الأمر على الوجه المطلوب أعني الأمور الدنيوية فهذا السخط مباح، فلا يمكن للعبد أن يتقرب به إلى الله. وإذا وُجِدَ من الشخص فهذا لا ينافي التوحيد ولا كماله الواجب ولا كما له المستحب.