فهرس الكتاب
فلم كان هذا القدر موجبًا لسخط الله تعالى وغضبه، ومخلدًا في النار وموجبًا لسفك دماء أصحابه واستباحة حريمهم وأموالهم؟! وهل يجوز في العقل أن يشرع الله تعالى لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائط فيكون تحريم هذا إنما استفيد بالشرع فقط؟ أم ذلك قبيح في الشرع، والعقل يمتنع أن تأتي به شريعة من الشرائع؟.
(1) الذي عليه أهل السنة والجماعة أن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة ثابت بالعقل والسمع والأدلة من الكتاب والسنة شاهدةٌ بذلك ومصرحة، والشرك قبيح بالعقل والسمع، والأدلة كتابًا وسنةً صريحةٌ في ذلك، لكن العقاب لا يتم على ترك التوحيد إلا إذا حين يأتي الشرع وتقوم الحجة، والدليل على ذلك قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} . إذا جاءت الرسل فقد قامت الحجة على الناس فمن امتثل فقد وحَّد الله جل وعلا وأفرده بالعبادة، فإن أبى واستكبر وعبد الأوثان والقبور وطاف حولها مع الله أو دون الله جل وعلا فهذا مشرك لأنه كابر بما جاءت به الرسل.
ولا يشترط في كفر هؤلاء أن يعتقدوا أو يجحدوا شرع الله، مجرد الفعل هو الكفر، مجرد أن يرتكب المرء ناقض من النواقض فإنه يكون بهذا العمل. قد كفر، بصرف النظر عن اعتقاده أو جحوده أو تكذيبه ونحو ذلك.
فلو أن شخصًا سب الله أو سب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنا ما أقصد، لكن يعلم أن السب حرام ويعلم أن هذا السب واقع على الله وعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا كافر، ولو قال: أنا ما أقصد كذا أو أقول كذا أو لا أعتقد أو لا أجحد، ولا يشترط في كفر هذا أن يعتقد حل هذا العمل، فلو لم يعتقد حل هذا العمل، لأنه يعلم أن هذا حرام فهذا كفر، كما لو طاف حول القبر متقربًا لصاحب هذا القبر متعبدًا له فهذا كفر بصرف النظر عن اعتقاده، كما أن المشرك مشرك ولو قال اعتقد أن الشر باطل هل ينفعه؟! ما ينفعه.
كذلك من نحَّى شرع الله واعتاض عن شرع الله بالقوانين الوضعية وحكم بين الناس بآراء اليهود والنصارى، وأقام هذه القوانين مقام الشرع، وغيَّر كل الشرع، وفرض القوانين على الناس، نقول هذا كافر مشرك، وإن قال أنا أعتقد أن شرع الله أفضل، كما أن المشرك حين يقول أنا أعتقد أن الشرك باطل ولكن أعبد القبر وأتقرب إليه لا ينفعه هذا الاعتقاد ولا ينفعه هذا القول.
هذا لا ينفعه أن يعتقد أن حكم الله أفضل من حكم المخلوق، ما دام يحكم بغير شرع الله ويفرض هذه الأنظمة والقوانين على البشر الله جل وعلا يقول: {إن الحكم إلا لله} أي ما الحكم إلا لله لِلَّهِ {ولا يشرك في حكمه أحدا} {ومن لم يحكم بما أنزل الله فألئك هم الكافرون} والكفر إذا عُرف بالألف