(1) ولو كان لهم نصيب وحظ من العبادة، لأن العبادة التي لا تؤدي إلى التعلق بالله وإلى الاستعانة به وإلى تفويض الأمر إليه فهي عبادة ناقصة، والناس يتفاوتون في هذا الباب، كما هم يتفاوتون في خلقهم ورزقهم وإخلاف أشكالهم وتباين طبائعهم، واختلاف بشراتهم وألوانهم.
(2) فمن آمن بالله: أي صدق بالله، وآمن بوحدانيته وربوبيته وكذِّب بقدرة فهذا التكذيب ينقض الإيمان بالله، وينقض التوحيد المسبق، قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} .
وقول عبد الله بن عباس (( الإيمان بالقدر نظام التوحيد ... ) )رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، والآجري واللالكائي وابن بطه في الإبانة، وغيرهم من طريق سفيان الثوري عن عمر بن محمد رجل من ولد عمر بن الخطاب عن رجل عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا إسناد فيه إبهام ولا يصح.
وقد صح عند أبي داوود وابن ماجه وأحمد وغيرهما من طريق أبي سنان عن وهب ابن خالد عن ابن الديلمي فيما يرويه عن ابن مسعود وأُبي بن كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (لو أنفقت مِثل أحدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قبله الله تعالى منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك) وهذه حقيقة الإيمان بالقدر خيره وشره.
وقد تقدم أن القدر قدرة الله بمعنى لا يمنع من قدر الله شيء، قال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} ، كلما زاد إيمان العبد بالقدر كلما زاد تعلقه بالله جل وعلا، وتظهر ثمرات الإيمان بالقدر، ويُقدم على الحق ويناصر الحق بقدر الإمكان، ولا يؤثر الدنيا ولا المنصب ولا الجاه على الحق لأنه مؤمن بالقدر، وأنه ما قُدر له سوف يأتيه.
ولكن حين يضعف الإيمان بالقدر، يُقدِّم الدنيا على نصرة الحق قال تعالى: {وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل نبرأها إن ذلك على الله يسير} أي نخلقها {وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم} والقرآن كله من أوله إلى آخره يقرر هذا المعنى، وهذا توحيد الرسل، وهذا كله مذكور في قول الله جل وعلا: {إياك نعبد وإياك نستعين} أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
فالعبادة متعلقة بتوحيد الإلهية والاستعانة متعلقة بتوحيد الربوبية وسيأتي إن شاء الله بعد قليل الحديث عن الأسباب، وأن مباشرة الأسباب لا تنافي التوكل، يتوكل العبد على ربه جل وعلا يفعل الأسباب المؤدية إلى الغرض، والمؤدية إلى المطلوب.