(1) فإن هذا طعن في حكمة الله عز وجل وفي قدرته وهذا جهل بأسماء الله وصفاته وآثارها، وهذا جهل بالتاريخ قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} .
ولقد بعثنا: أي أرسلنا وأوجدنا.
في كل أمة: أي في كل طائفة وجماعة.
رسولا: والرسول: بشر أُوحي إليه بشرع جديد وأُمر بتبليغه.
أن اعبدوا الله: أي يأمرهم بعبادة الله، ويأمرهم باجتناب الطاغوت.
والعبادة: هي اسمٌ جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
وقد قيل في معنى قوله تعالى: {أن اعبدوا الله} أي وحدوا الله، والفطر تتجاوب مع التوحيد.
وحينئذٍ لا يمكن أن يُخْلِي الله جل وعلا الأرض من رسول يدعوهم إلى الله ويحذرهم من بطش الله وعقابه وانتقامه ممن عصاه وخالف أمره وقال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا} .
فمن ظن أن الله جل وعلا لم يرسل رسولا فقد ظن بالله ظن السوء، ومن ظن أن الله جل وعلا ما أنزل كتابًا على الرسول فقد ظن بالله ظن السوء.
وبالجملة من اعتقد أنَّ الله ترك الخلق سدى وخلقهم عبثًا فقد ظن بالله ظن السوء، وقد توعد الله جل وعلا هؤلاء بقوله: {عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} وهؤلاء لم يؤمنوا بالله ولم يؤمنوا بما جاء عن الله وقد قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} .
أفحسبتم: معشر الجن والإنس.
أنما خلقناكم: أي أوجدناكم حين لم تكونوا شيئا، أوجدناكم وجعلنا لكم السمع والإبصار والأفئدة، لم نوجدكم عبثا.
أفحسبتم أيضًا أنكم إلينا لا ترجعون، كلا بل خلقناكم لحكمه وأوجدناكم لغاية، قال تعالى: {وما خلت الجن والإنس إلا ليعبدون} . أي إلا ليوحدون، وقيل: إلا لآمرهم وأنهاهم وهذا قول مجاهد وطائفة من المفسرين، والقول الأول هو قول ابن عباس وطائفة من المفسرين، ولا تنافي بين القولين.
وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يُترك سدى} أي لا يؤمر ولا ينهى فمن ظن بالله ذلك فقد ظن بالله ظن السوء.