فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 381

الصنف الأول: عندهم أنفع العبادات وأفضلها: أشقها على النفوس وأصعبها.

(1) أي عند هذه الطبقة بأن أنفع العبادات وأفضلها هو أشقها على النفوس وأصعبها، وهذا من جهلهم يظنون أن المشقة مطلوبة لذاتها، وأن البحث عنها مطلب شرعي يُقَرِّب إلى الله ويرفع الدرجات ويُعلي المقامات وهذا شطط في القول وانحراف في التطبيق وسوء فهم للشرع.

هؤلاء أوتوا العمل فقط وليس لهم نصيب من العلم فأغواهم الشيطان وأضلهم وأعمى بصائرهم فكانوا يبحثون عن المشقة بدعوى أن المشقة أبعد الأشياء عن الهوى، وأن هذا الأمر هو حقيقة التعبد وقد يستدلون بأن الأجر على قدر المشقة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: (إنما أجرك على قدر نصبك) .

وهذا ضلال وانحراف، لأن الأجر على قدر المشقة في تطبيق السنة فإن المرء قد يريد يطبق السنة المشروعة، فيناله بتطبيقها مشقة فيؤجر على ذلك، أو يريد أن يعمل عملًا واجبًا كأن يحج فتناله مشقة في الحج أو يصوم صيامًا مستحبًا أو صيامًا واجبًا ويصيبه في ذلك عطش وجوع فيؤجر على ذلك وهذا الذي أصابه عطش وجوع أكثر أجرًا ممن لم يصبه شيء من ذلك.

وأما كون الإنسان يبحث عن المشقة بذاتها فهذا ابتداع في الدين وضلال وغلو في التطبيق وشطط صوفي، ولذلك الذي أوتي العلم والعمل أوتي العلم والإيمان هو أفضل وأرفع درجة من الذي أوتي الإيمان دون العلم، والعلم هو الذي يقوده إلى الإيمان وهو الذي يُبَصر بمواطن الزلل، ومن ثَمَّ صار العلم أفضل مطلوب ونفل العلم أفضل من نفل الصلاة والصيام والحج والعمرة، قال تعالى: {يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أُتوا العلم درجات} يرفعهم في الدنيا بالذكر الجميل وفي الآخرة بالأجر العظيم وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وليس سواء عالم وجهول.

فالعلماء هم ورثة الأنبياء وهذا ليس لكل علم، إنما هو للعلم الموروث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي يورث الخشية ويورث التقوى.

وأما العلم الذي يورث البلادة ويورث الغفلة أو التكسب بالعلم والبحث عن المناصب والوظائف بالعلم فهذا ضلال وانحراف، وهذا يُورث قسوةً في القلوب وبعدًا عن الله، الله جل وعلا يقول: {إنما يخشى الله من عبادة العلماء} .

ولله در بشرٍ الحافي حين قال: (( لأن أطلب الدنيا بدف ومزمار أحب إليّ من أن أطلبها بالدين ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت