فهرس الكتاب
(1) أي ويخرج عن هذا التوحيد الالتفات إلى الخلق، ولعله يعني بذلك الاعتماد عليهم بالقلب والتعلق بهم، فإن التعلق بغير الله أعظم مفسد للدين وللقلب، وأعظم الناس خذلانا المتعلقون بغير الله المؤملون ما سواه. وهذا التعلق يوجب له الضرر ولابد، عكس ما أمَّله، وما تعلق قلب بغير الله إلا عُذِبَّ به ولا بد.
وحقيقة تجريد التوحيد أن تعلق قلبك بالله ولا تلتفت إلى غيره ولا تأمل سوى الله ولا تتوكل على غير الله ولا ترجوا إلا الله وحده وهذا من أعظم مقامات التوحيد. حيث يتعلق القلب بالله لا يتعلق بغيره، فإن التعلق بغيره مضر ولا بد سواء تعلق بالغير في طلب مال أو جلب نفع أو دفع ضر أو غير ذلك.
تأمل فيما ذكر الله جل وعلا عن الأنبياء والمرسلين من كمال التعلق بالله جل وعلا تأمل في حال الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم حين دعا قومه إلى التوحيد ضاقوا به ذرعا وجمعوا عددهم وعُدَدهم وأجمعوا على الكيد له وجمعوا الحطب بُرهةً من الزمن ليوقدوه ويقذفوا به خليل الرحمن فحين أوقدوا النار وقذفوا بها إبراهيم ولا يمكن الوصول إليها من قرب لتأجج نارها وعظمتها رجعوا باعتبار أنه قد احترق.
إبراهيم حين ألقي في النار لم يلجأ إلى مساومتهم ولم يلجأ إلى الاستنصار بأبيه ولا بقومه ولا بقبيلته وعشيرته وهي قادرة على نصرته ولم يلجأ إلى جبريل والأثر المشهور (( أن جبريل أعترض له في الهواء فقال: ألك حاجة قال: أما إليك فلا ) )هذا الأثر لا أصل له والصوفية يحتجون به على ترك الأسباب مع أنه يمكن أن يحتج به على تعلق إبراهيم بالله ولكن لا أصل له.
إبراهيم حين ألقي في النار لم يذكر الله عنه سوى أنه قال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل ) )علق قلبه بالله، كما في البخاري من حديث ابن عباس وقال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) )وهذه حقيقة التوحيد أن لا تعلق قلبك بغير الله ولو وُجدَت الشدائد فإن الله يجعل لعبده المخلص المؤمن المتعلق به من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، أنت حين تستنجد بغير الله ممن تحبه ويحبك هو سوف يسعى في نصرتك بلا شك لأنه يحبك وأنت تؤمل فيه خيرًا.
هل يمكن أن تتصور أو تعتقد أن تلجأ إلى الله فيخذلك وتلجأ إلى المخلوق فينصرك هذا لا يمكن أن يقع أبدًا.