إذًا إذا لجأ المخلوق إلى المخلوق وهو قادر على نصرته فسوف ينصره فكيف لو فوض أمره إلى الله والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء فحينئذٍ ينصر عبده ويخزي عدوه لكن هذا يتطلب من المخلوق أن يوحد الله حق التوحيد وأن يؤدي أمره وأن يجتنب نهيه فلا يلتفت إلى الخلق. فأعظم شيء يحول بينك وبين الله هو التعلق بالمخلوقين ومن تعلق بشيء دون الله وُكِلَ إليه ولا بد.
وبعض التعلق كفر أكبر كالتعلق بالأوثان والأصنام والأحجار والتعلق بالصور بحيث تصده عن الله وقد يعبدها دون الله. فهذا يُعذّب بها في الحياة الدنيا وسوف يجد في الآخرة ما هو أشد وأنكى قال تعالى: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر} لا تستعجب أن يوجد من يعبد الصورة فهناك من يتخيل الشيطان ويعبده دون الله، وهناك من يعبد الأشجار والأحجار، وهناك من يعبد الصور دون الله ويعشق صور النساء والمردان ويؤلهها ويخضع لها ويستعد للتنازل عن كل شيء دون هذه الصور، هذا التعلق بغير الله نتج من خلو القلب عن محبة الله كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبًا خاليًا فتمكنا
إذ لو صادف قلبًا معمورًا بالتقوى معمورًا بالإيمان لأوقفه مكانه ولما استطاع أن ينفذ إلى قلبه لأن هذا القلب معمور بالتقوى والقلب المعمور بالتقوى لا يمكن أن يمتزج بغيره من عشق الصور أو عشق المردان أو التعلق بغير الله ونحو ذلك.
الله جل وعلا يقول: {وعلى فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} قدَّم هنا المعمول على العامل لإفادة الحصر وأتى بعد ذلك بالشرطية {إن كنتم مؤمنين} فمعنى هذا إن كنتم مؤمنين موحدين فلا تتوكلوا على غير الله. فإن توكلتم على غيره فقد خذلتم وصرتم من المشركين.
والتوكل على غير الله مراتب: منه ما هو كفر أكبر ومنه ما هو دون ذلك وكمال التوحيد وكمال الإخلاص أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله جل وعلا وحينئذٍ لا يبالي بأذية البشر ولا يسخط على البشر حين يتعرضون له بالأذى أوحين يتخلفون عن خدمته بما يجب عليهم لأنه يعلم أن هذا من الله جل وعلا: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} .