فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 381

وإن ظن أنه يسمع ويرى ولكن يحتاج إلى من يُلَيِّنُهُ ويُعَطِّفُهُ عليهم فقد أساء الظن بأفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده، وبالجملة فأعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به ولهذا يتوعدهم في كتابه على إساءة الظن به أعظم وعيد، كما قال تعالى: الظانين بالله ظن السوء عليهم دائِرةُ السوء.

(1) كأحوال الملوك ونحوهم، فإنهم بحاجة إلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشفاعة، لأنهم لا يعلمون عواقب الأمور، ولأنهم قد تخفى عليهم الحِكَم والمصالح لأنهم ينسون ويجهلون ويعتريهم ما يعتري سائر البشر.فالذي يظن أن الله لا يسمع أو أنه يسمع ويرى ولكنه يحتاج إلى من يُليِّنُه فقد شبه المخلوق بالخالق، وهذا يقتضي نفي كمال القدرة عن الله تعالى، ويقتضي أيضًا عدم غناه المطلق عن كل أحد، وهذا باطل شرعًا وعقلًا وفطرةً. وهذا أيضًا كما أشار إليه المؤلف في قوله (( فقد أساء الظن بأفضال ربه وبره وإحسانه وسعة جوده ) ).

(2) وفوق هذا كما تقدم يقتضي نفي كمال القدرة عن الله، ويقتضي أن الله يشرع الأمور ويقدرها بدون حكمه.

فإن من معاني أسماء الله الحكيم الذي يعلم بواطن الأمور وظواهرها، وعواقبها، فلا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.

(3) ولو قيل: فإن من أعظم الذنوب عند الله لأنه قد تقدم أن كل مشرك مسيء للظن بالله، وأن إساءة الظن لا تستلزم الشرك.

فقد يسيء الظن بالله بأنه لا ينصر أولياءه ولا يعلي كلمته فحينئذٍ لم يكن مشركًا وإن كان هذا كفرًا، وهذا على القول الصحيح بالتفريق بين الشرك وبين الكفر، فكل مشرك كافر وليس كل كافر مشركًا لقوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} فالكفر كسب الله وكسب الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكإنكار المعاد. والشرك كأن يدعو مع الله إله آخر، وكأن يسجد للصنم، وكأن يذبح للصنم، وكأن يطوف على القبور ولكن بالجملة فمن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به.

(4) قبل هذه الآية الله جل وعلا يقول: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء} فكل مشرك وكل منافق قد ظن بالله ظن السوء وقوله: {الظانين بالله ظن السوء} لأنهم يتهمون الله جل وعلا في حكمه وشرعه، ويظنون أن الله لن ينصر رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين فوعدهم الله بقوله: {عليهم دائرة السوء} أي بالعذاب والهلاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت