والصنف الرابع: هم القائلون بالجمع بين الخلق والأمر والقدر والسبب (2) .
(1) وهؤلاء ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وقد تقدم أن العبادة المأمور بها هي تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، وأنه لا يصح تسميتها عبادة إلا بهذا الاعتبار وبهذا المعنى، ومن أدى العبادة وقام بها حفظًا للقانون وضبطًا للناموس أو حفظًا للوارد وخوفًا من تدرج النفس بمفارقتها إلى حالتها الأولى من البهيمية فهو ضال وعملة مردود عليه، وجماعات من هذا الضرب يقومون بالأوراد ولا يُخِّلون بها خشية مشابهة النفس البهائم ويقلون لو عطلت العبادة لانسحقت النفوس السباع والبهائم فالعبادة تخرجها إلى مشابهة العقول وحينئذٍ تصير قابلة لانتفاش صور المعارف فيها.
(2) جاء في المدارج والصنف الرابع: هم الطائفة المحمدية الإبراهيمية أتباع الخليلين العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعة وخلقه وأهل البصائر في عبادته ومراده بها وهؤلاء قائلون بالجمع بين الخلق والأمر.
وليس المعنى أنهم يسوون بين الخلق والأمر فهذا ليس قولًا للطائفة المحمدية الإبراهيمية، لأن الله جل وعلا فرق بينهما فقال: {ألا له الخلق والأمر} فالخلق صفة من صفات الله.
وقد تقدم أن الفعل غير المفعول وأن الخلق غير المخلوق. والأمر في إثبات صفة الأمر لله جل وعلا.
والمعنى في قول المؤلف بالجمع: أي أنه لا يجعلون الأمر واحدًا بل يجمعون بينها بما يقتضيه المقام ويقتضيه العلم و الشرع والعقل وبما تتجاوب معه الفطرة.
هؤلاء يتجاوبون مع ما تمليه عليه شياطينهم ويناقضون الفطر، تقدم أن جماعات منهم لا يفرقون بين الأمر والنهي ولا بين التوحيد والشرك ويزعمون أن الله سوى بينهما، تقدم الرد عليهم فيما مضى.
قوله: (( والقدر والسبب ) )جميع ما يخلقه الله جل وعلا ويقدره بأسباب، لكن من الأسباب ما يخرج عن قدرة العبد ومنها ما يكون مقدورًا له، ومن الأسباب ما يفعله العبد، ومنها ما لا يفعله.
وبالجملة: فما فعل الله جل وعلا بأسباب يمكن طلبه بطلب الأسباب، وأمثله ذلك كثيرة كالحياة والموت ودفع الحر والبرد، ودفع الجوع والعطش، والعبد يفعل السبب المأمور به ويتوكل على الله جل وعلا فيما يخرج عن قدرته، وقد دلت الأحاديث الصحاح أن الأسباب من قدر الله جل وعلا.