فهرس الكتاب
(1) والإيمان بتوحيد الربوبية فرض وجحده وإنكاره كفر بالإجماع غير أن الرسل والكتب السماوية لن تأتي لدعوة الناس لهذا فقد كان الناس مقرين بأن الله هو الخالق الرازق المدبر وأنه هو المحي والمميت وأنه القادر على كل شيء، فالرسل جاءت بتوحيد الإلهية الذي هو إفراد الله بالعبادة ولم يأتي عن نبي قط أنه دعا الناس إلى الإيمان بأن الله هو الخالق، وإنما يحتج الله جل وعلا على العباد بأنه هو الخالق الرازق والمدبر على أن يفردوه بالعبادة، فلهذا اجتمعت الخلائق كلها مؤمنها وكافرها إنسها وجنها ذكرها وأنثاها في توحيد الربوبية. وقوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} قيل الرب هنا بمعنى المالك وقيل الرب هنا بمعنى مربي العالمين وقيل بمعنى الخالق وهذه الأمور كلها من توحيد الربوبية وقيل بمعنى المعبود: {الحمد لله رب العالمين} أي معبود العالمين وهذا توحيد الإلهية.
توحيد الربوبية ليس هو الأصل الذي يدخل به العبد في الإسلام، فلو آمن بتوحيد الربوبية وجعل مع الله إله آخر لكان بذلك كافرًا بالإجماع كما أنه لو آمن بتوحيد الإلهية وأفرد الله بالعبادة غير أنه جحد توحيد الربوبية لكان كافرًا بالاتفاق، بيد أن توحيد الإلهية يستلزم توحيد الربوبية كما أن توحيد الربوبية يتضمن توحيد الإلهية، وكذلك لو آمن بتوحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وكفر بالأسماء والصفات لم يكن بذلك مسلمًا فلو أفرد الله بالعبادة وخصَّه بالذكر واعتقد أن الله هو الخالق الرازق المدبر ولم يعبد مع الله إله آخر غير أنه قال لا أثبت صفات الله جل وعلا ولا أسمائه لكان بهذا كافرًا.
قال تعالى عن المشركين: {وهم يكفرون بالرحمن} عن المشركين ولهذا قال مالك وغيره من أزال صفة عن الله فقد كفر، أي من جحد صفة من صفات الله وأنكرها فهو كافر، فالجهمية ينكرون، علو الله، على خلقه وهذه الصفة جاءت الأدلة النقلية بتقريرها والأدلة العقلية على الإيمان بها، وهم لا يتوقفون عند إنكار علو الله على خلقه فهم ينكرون استواء الله على العرش ولا يثبتون لله جل وعلا الصفات مطلقا بل يحرفونها فهم قد عطلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته.
كما أن هناك طوائف أخرى تمثل صفات الله بصفات المخلوقين، وقد قال نعيم بن حماد الخزاعي وغيره (( من شبه الله بخلقه فقد كفر ) )ونظم هذا الإمام ابن القيم رحمه الله في النونية:
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا ... إن المشبهِ عابدُ الأوثانِ
كلا ولا نخليه من أوصافه ... إن المعطلَ عابدُ البهتانِ
من شبه الرحمن العظيم بخلقه ... فهو الشبيه لمشرك نصراني
أو عطل الرحمن عن أوصافه ... فهو الكفور وليس ذا الإيمانِ