(1) فإنهم لم يكونوا مشركين في إيجاد خالق مع الله يرزق ويخلق ويدبر إنما كانوا مشركين حيث يحبون الأنداد والآلهة كما يحبون الله ويعبدونها دون الله ويعظِّمونها كما يعظمون الله.
وهذا كما تقدم مرارًا مناقض لما جاءت به الرسل، ومنافٍ للفطر السليمة، وأي عقل عند هؤلاء حين يسوُّون التراب برب الأرض والسماء، ويسوُّون الفقير بالغني المطلق، والمملوك بالمالك، والمخلوق بالخالق، هذا دليلٌ على فساد عقولهم وتغير فطرهم.
وقد تقدم أيضًا أن من جعل لله ندًا من خلقه فيما يستحقه الله عز وجل من الإلهية والربوبية أنه كافر بإجماع الأمة. وأنه مخلد في النار، وأنه ملعون في الدنيا والآخرة، وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من أهل العلم وتراه مبسوطًا في المجلد الأول من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا أمرٌ واضح لا يكابر فيه أحد.
الشرك تقدم مرارًا أنه أعظم الظلم، أعظم ظُلم ظَلَمَ العبد به نفسه هو إشراكه بربه، وأعظم ذنب عُصي الله به هو الشرك، وهو الذنب الذي لا يغفره الله جل وعلا إلا بالتوبة، فلو أن العبد قام الليل كله وصام النهار كله وأنفق كل ماله، وحج كل عام، وصام كل عام، وأدى زكاة ماله وهو مقيم على عبادة القبور والأوثان، مقيم على النذر لغير الله مقيم على الذبح لغير الله لم ينفعه كل ما تقدم.
فإن الشرك يحبط الأعمال كما أن الحدث ينقض الوضوء ويفسد الصلاة، فلا يجتمع إيمان وشرك أكبر أبدًا، فهذا يُزِيلُ هذا أو هذا يطرد هذا.
وأي عقل عند المشركين وهم يعبدون معه غيره، الله الذي خلقهم وأوجدهم ورزقهم وهو الذي يحييهم ويميتهم ثم يحييهم. ومع هذا لا يعبدون هذا، يعبدون الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا.
ولله المثل الأعلى لو أن المرء له عبد مملوك يعمل له بكرةً وعشيا وما يكتسبه من آثار العمل يبذله لغير سيده ماذا يصنع به السيد؟! إما أن يحرقه وإما أن يبطش به.
أنا سيدك وتعمل عندي، وأنا الذي أنفق عليك أكلًا وشربًا، وغذاءً وكسوةً، وتعمل لي وتبذل المال لغيري!! هذا يستحق البطش، وكل عاقل يستقبح هذا العمل، وكل شخص يستقبح هذا العمل لأنه ظلم عظيم وفساد في العقل والتصور.
كيف لا يعقلون أن الله خلقهم، ورزقهم، وأوجدهم، وأحياهم وسوف يميتهم ثم يحييهم، ومع هذا يأكلون رزقه ويشركون به!! يسكنون أرضه ويعبدون فيها غير الله هذا ظلم عظيم.